تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
وقلة المعرفة ، بل الأصلح لهم قبل الاشراف على الموت غلبة الخوف وأما عند الموت فالأصلح لهم غلبة الرّجاء وحسن الظنّ ، لأن الخوف جار مجرى السوط الباعث على العمل وقد انقضى وقت العمل وهو لا يطيق هناك أسياط « أسباب » الخوف لأنها تقطع نياط « 1 » قلبه وتعين على تعجيل موته وأمّا روح الرّجاء فإنها تقوي قلبه وتحبب إليه ربّه الذي إليه رجاءه . وينبغي أن لا يفارق أحد الدّنيا إلّا محبّا للّه تعالى ليكون محبّا للقائه ، فان من أحبّ لقاء اللّه أحب اللّه لقاءه ، ومن قدم على محبوبه عظم سروره بقدر محبّته ، ومن فارق محبوبه اشتدت محنته وعذابه . فمهما كان الغالب على القلب عند الموت حبّ الأهل والولد والمال والمسكن والرفقاء والأصحاب كانت محابه كلها في الدّنيا فكانت الدّنيا جنّته فكان موته خروجا من الجنّة وحيلولة بينه وبين ما يشتهيه ، فأمّا إذا لم يكن له محبوب سوى اللّه وسوى ذكره ومعرفته والفكر فيه فالدنيا وعلايقها شاغلة له عن المحبوب ، فالدنيا إذن سجنه ، وموته قدوم على محبوبه وخلاص له من السّجن ، فاذن غاية السعادة أن يموت العبد محبّا للّه تعالى .

الفصل الرابع الخوف من اللّه على مقامين

اعلم أن الخوف من اللّه تعالى على مقامين : أحدهما الخوف من عذابه وهو خوف عموم الخلق وهو حاصل بأصل الايمان بالجنّة والنّار وكونهما جزائين على الطاعة والمعصية ، وضعفه بسبب الغفلة وبسبب ضعف الايمان وإنّما تزول الغفلة بالتذكير والوعظ وملازمة الفكر في أهوال القيامة وأصناف العذاب في الآخرة ويزيد أيضا بالنظر إلى الخائفين ومجالستهم ومشاهدة أحوالهم فان فاتت المشاهدة فالسماع لا يخلو من تأثير . وأمّا الثاني وهو الأعلى أن يكون اللّه هو المخوف أعني أن يخاف العبد العبد والحجاب منه ، ويرجو القرب منه وهو خوف العلماء وأرباب القلوب العارفين من صفاته ما يقتضي الهيبة والخوف والحذر المطلعين على سرّ قوله :
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ
« 2 » وقوله :
اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ
هامش
( 1 ) النياط ككتاب عرق غليظ ينصبه القلب إلى الوتين فنياط القلب هو ذلك العرق الذي يعلق القلب به . م . ( 2 ) سورة آل عمران : آية 28 .
الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 164 | الفيض الكاشاني / محسن عقيلى