تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
والطريق إلى تحصيل الرّجاء ذكر سوابق فضل اللّه من دون شفيع ، وما وعد من جزيل ثوابه من دون استحقاق ، وما أنعم بما يمدّ في الدارين من دون سؤال ، وسعة الرحمة وسبقها الغضب . والأخبار الواردة في سعة رحمته سبحانه أكثر من أن تحصى ولا حاجة بنا إلى ذكرها لأن المحتاج إلى تحصيل الرجاء من غلب عليه الخوف أو اليأس وقليل ما هم ، وأما المنهمكون « 1 » في طغيان الذنوب والمغترّون بما هم فيه من الفساد والحوب « 2 » كأكثر أبناء زماننا فلا يزداد سماعهم لها إلّا في طغيانهم تماديا ، وفي فسادهم فسادا .

الفصل الثالث في الرجاء المحمود

اعلم أن الرجاء محمود إلى حد فان جاوز إلى الأمن فهو خسر ولا يأمن مكر اللّه إلا القوم الخاسرون ، وكذا الخوف محمود إلى حدّ فان جاوز إلى القنوط فهو ضلال ومن يقنط من رحمة اللّه إلا الضالون ، أو إلى اليأس فهو كفر ولا ييأس من روح اللّه إلا القوم الكافرون والأصلح ان يعتدل . قال أمير المؤمنين ( ع ) لبعض ولده : « يا بنيّ خف اللّه خوفا ترى أنك إن أتيته بحسنات أهل الأرض لم يتقبلها منك ، وارج اللّه رجاء كأنك لو أتيته بسيئآت أهل الأرض غفر اللّه لك » « 3 » . وعن الباقر ( ع ) : « ليس من عبد مؤمن إلا وفي قلبه نوران : نور من خيفة ونور من رجاء لو وزن هذا لم يزد على هذا ولو وزن هذا لم يزد على هذا » « 4 » . وقد جمع اللّه سبحانه بينهما في وصف من أثنى عليهم فقال :
يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً
« 5 » وقال :
يَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً
« 6 » وأما غلبة الرّجاء في غالب النّاس فمستندها الاغترار
هامش
( 1 ) الأنهماك : التمادي في الشيء واللجاج فيه ومنه الحديث : من انهمك في أكل الطين فقد شرك في دم نفسه . ( 2 ) الحوب بالضم الاثم ، وفي الدعاء رب تقبل توبتي واغسل حوابتي ، أي اثمي قال تعالى انه كان حوبا كبيرا . ( 3 ) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 50 . ( 4 ) الكافي ج 2 ص 67 . ( 5 ) سورة السجدة : آية 16 . ( 6 ) سورة الأنبياء : آية 90 .