تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
والنظر في خطر عاقبته فلا يتفرغ لغيره ولا يكون له شغل إلا المراقبة والمحاسبة والمجاهدة والضّنة « 1 » بالأنفاس واللحظات ، ومؤاخذة النفس في الخطرات والكلمات فيكون ظاهره وباطنه مشغولا بما هو خائف منه لا يتسع فيه لغيره . هذا حال من غلبه الخوف واستولى عليه ، وأقلّ درجات الخوف مما يظهر أثره في الأعمال أن يمتنع من المحظورات ، ويسمى الكف الحاصل من المحظورات ورعا فان زادت قوته كف عمّا يتطرق إليه إمكان التحريم ، ويسمّى ذلك تقوى ، وقد يحمله على أن يترك ما لا بأس به مخافة ما به بأس وهو الصدق في التقوى . فإذا انضمّ إليه التجرّد للخدمة فصار لا يبني ما لا يسكنه ، ولا يجمع ما لا يأكله ، ولا يلتفت إلى دنيا يعلم أنها تفارقه ، ولا يصرف إلى غير اللّه تعالى نفسا من أنفاسه فهو الصّدق وصاحبه جدير بأن يسمى صدّيقا ويدخل في الصّدق التقوى وفي التقوى الورع وفي الورع العفّة فانّها عبارة عن الامتناع عن مقتضى الشهوات خاصة فإذا الخوف يؤثر في الجوارح بالكف والاقدام .

الفصل الثاني الرجاء للّه يجب ان يكون أقوى من الخوف

اعلم أن العمل على الرجاء أعلى منه على الخوف لان أقرب العباد إلى اللّه أحبّهم إليه والحب يغلب بالرّجاء ، ولذلك ورد في الرجاء وحسن الظن رغايب لا سيّما وقت الموت ، قال اللّه تعالى :
يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
« 2 » فحرّم أصل اليأس وقال :
إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ
« 3 » وعيّر اللّه قوما فقال :
وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ
« 4 » وقال :
وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً
« 5 » . وقال النبي ( ص ) : « يقول اللّه عزّ وجلّ : أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء » « 6 »
هامش
( 1 ) الضنين : البخيل الشحيح وفي حديث الدنيا لم يصفها لأوليائه ولم يضن بها على أعدائه اي لم يبخل بها عليهم . م . ( 2 ) سورة الزمر : آية 52 . ( 3 ) سورة الرعد : آية 6 . ( 4 ) سورة فصلت : آية 23 . ( 5 ) سورة الفتح : آية 12 . ( 6 ) العوالي ج 1 ص 289 واحياء علوم الدين ج 4 ص 156