تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
تقصير فحقيق بأن يرجو قبول التوبة إذا كان كارها للمعصية تسوءه السّيئة وتسرّه الحسنة وهو يذم نفسه ويلومها ، ومن يشتهي التوبة ويشتاق إليها فحقيق بأن يرجو من اللّه التوفيق للتوبة ، لأن كراهيته للمعصية وحرصه على الطّاعة يجري مجرى السّبب الذي قد يفضي إلى التّوبة ، وإنّما الرّجاء بعد تأكّد الأسباب .

الفصل الأول حال من غلبه الخوف

وأمّا الخوف فهو عبارة عن تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروه في الاستقبال وبحسب تظاهر أسباب المكروه تكون قوّة الخوف وشدّة تألم القلب ، وبحسب ضعف الأسباب يضعف الخوف ، والخوف من اللّه تارة يكون بمعرفة اللّه ومعرفة صفاته ، وتارة يكون بكثرة الخيانة من العبد بمقارفة المعاصي ، وتارة يكون بهما جميعا وبحسب معرفته بجلال اللّه وتعاليه واستغنائه وبعيوب نفسه وجناياته تكون قوة خوفه فأخوف النّاس لربّه أعرفهم بربّه وبنفسه ولذلك قال النبيّ ( ص ) : « أنا أخوفكم للّه » « 1 » وقال اللّه سبحانه :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
« 2 » . ثمّ بقدر كمال المعرفة يفيض « 3 » اثر الحرقة من القلب على البدن ، وعلى الجوارح ، وعلى الصّفات ، أما في البدن فبالنحول « 4 » والصفاء والبكاء ، وأما في الجوارح فبكفها عن المعاصي وتقييدها بالطاعات تلافيا لما فرط واستعدادا للمستقبل ، ولذلك قيل : ليس الخائف من يبكي ويمسح عينيه ، بل من يترك ما يخاف أن يعاقب عليه ، وقال حكيم : من خاف شيئا هرب منه ، ومن خاف اللّه هرب إليه ، وأما في الصّفات فهو أن يقمع « 5 » الشهوات ويكدر « 6 » اللذات . فتصير المعاصي المحبوبة عنده مكروهة كما يصير العسل مكروها عند من يشتهيه إذا عرف أن فيه سمّا فتحترق الشّهوات بالخوف وتتأدّب الجوارح ويحصل في القلب الذّبول « 7 » والخشوع والذلة والاستكانة ، ويفارقه الكبر والحقد والحسد بل يصير مستوعب الهمّ بخوفه
هامش
( 1 ) احياء علوم الدين ج 4 ص 145 . ( 2 ) سورة فاطر : آية 28 . ( 3 ) أفاض السيل يفيض فيضا كثر وسال من شفا الوادي . م . ( 4 ) النحول : الهزال . م . ( 5 ) قمعه : قهره وذلله . ق . ( 6 ) كدر الماء مثلثة الدال فهو كدر نقيض صفا . م . ( 7 ) ذبلت بشرته قل ماء جلدته وذهب نضارته م .