تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
وقال رسول اللّه ( ص ) : « سلوا اللّه العافية فما أعطي عبد أفضل من العافية إلا اليقين » « 1 » وأشار باليقين إلى عافية القلب من مرض الجهل والشك فان عافية القلب أعلى من عافية البدن .

الباب الثالث في الرجاء والخوف

في الرّجاء والخوف ، أمّا الرّجاء فهو ارتياح القلب لانتظار محبوب ، فان حصل أكثر أسبابه فالاصدق اسم الرّجاء كتوقع الحصاد « 2 » ممن ألقى بذرا جيّدا في أرض صالحة يصلها الماء ، وإن فقد فالغرور والحماقة كما لو ألقي في غير صالحة لا يصلها الماء ، وإن شكّ فيها فالتمني كما إذا صلحت الأرض ولا ماء . وذلك لأن الدنيا مزرعة الآخرة والقلب كالأرض والايمان كالبذر فيه والطاعات جارية مجرى تقليب الأرض وتطهيرها ومجرى حفر الأنهار وسياقة الماء إليها ، والقلب المستهتر بالدّنيا المستغرق بها كالأرض السبخة « 3 » التي لا ينمى فيه البذر ويوم القيامة يوم الحصاد ولا يحصد أحد إلا ما زرع ولا ينمى زرع الايمان إلا من بذر الايمان ، وقلّما ينفع إيمان مع خبث القلب وسوء أخلاقه كما لا ينمى بذر في أرض سبخة . فينبغي أن يقاس رجاء العبد المغفرة برجاء صاحب الزّرع ( الأرض خ ) فكل من طلب أرضا طيبة وألقى فيها بذرا جيدا ثمّ أمده بما يحتاج إليه من تنقية الأرض مما يمنع نبات البذر أو يفسده وسوق الماء إليه من أوقاته ثمّ جلس منتظرا من فضل اللّه دفع الآفات المفسدة إلى أن يتم الزرع ويبلغ غايته ، سمي انتظاره رجاء . وإن بث البذر في أرض سبخة مرتفعة لا ينصب إليها ماء ولم يشتغل بتعهّد البذر أصلا ثم انتظر الحصاد منه سمي انتظاره حمقا وغرورا لا رجاء . وإن بث « 4 » البذر في أرض طيبة ولكن لا ماء لها ولكن ينتظر مياه الأمطار حيث لا يغلب
هامش
( 1 ) الترغيب والترهيب : ج 4 ص 272 . ( 2 ) الحصاد بالفتح والكسر قطع الزرع وفي الخبر نهى عن حصاد الليل . وانما نهى عنه لمكان المساكين أن يحضروه ؛ وقيل كي لا يصيب الناس الهوام . م . ( 3 ) السبخة بالفتح أرض مالحة يعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت الا بعض الأشجار . م . ( 4 ) بث الخبر أذاعه ونشره . والشيء : فرقه . المنجد .
الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 158 | الفيض الكاشاني / محسن عقيلى