تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 16

مساهمون:

ص١٦
الاعتراف بالعجز عن معرفته ، وبعضهم يدعي أمورا عظيمة في المعرفة باللّه عز وجل ، وبعضهم يقول حد معرفة اللّه ما انتهى إليه اعتقاد جميع العوام ، وهو أنه سبحانه عالم قادر سميع بصير متكلم مريد . فنعني بالعلم المقصود لذاته أن يرتفع الغطاء حتى يتضح جلية الحق في هذه الأمور اتضاحا يجري مجرى العيان الذي لا شك فيه وهذا ممكن في جوهر الانسان إلا أن مرآة القلب قد تراكم صداها وخبثها بقاذورات الدنيا ، فلا بدّ من تصقيل هذه المرآة عن هذه الخبائث التي هي الحجاب عن اللّه سبحانه وعن معرفة صفاته وأفعاله ، وإنما تصفيتها وتطهيرها بالكفّ عن الشهوات والاقتداء بالأنبياء والأئمة ( ع ) في جميع أحوالهم ، فبقدر ما ينجلي من القلب ويحاذي به شطر الحق يتلألأ فيه حقايقه . ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتعلم والهدى والخشية والتقوى والفطنة والذكاء ، وهذه هي العلوم التي لا تسطر في الكتب ولا يتحدث بها من أنعم اللّه عليه منها بشيء إلا مع أهله وهو المشارك فيه على سبيل المذاكرة وبطريق الاسرار . وهذا العلم الخفي هو الذي أراده النبي بقوله ( ص ) : « إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا أهل المعرفة باللّه فإذا نطقوا به لم يجهله الا أهل الاغترار باللّه عز وجل ولم يتحمّله إلا أهل الاعتراف باللّه ، فلا تحقروا عالما أتاه اللّه علما فان اللّه عز وجل لم يحقره إذ أتاه إياه » « 1 » . وعن أمير المؤمنين ( ع ) أنه قال : « إنّ من احّب عباد اللّه إليه عبدا أعانه اللّه في نفسه فاستشعر الحزن وتجلبب الخوف فزهر مصباح الهدى في قلبه إلى أن قال : قد خلع سرابيل الشهوات وتخلى من الهموم إلا هما واحدا انفرد به ، فخرج من صفة العمى ومشاركة أهل الهوى وصار من مفاتيح أبواب الهدى ومغاليق أبواب الرّدى ، قد أبصر طريقه ، وسلك سبيله ، وعرف مناره ، وقطع غماره ، واستمسك من العرى باوثقها ، ومن الحبال بأمتنها ، فهو من اليقين على مثل ضوء الشمس » « 2 » . وفي كلام آخر له ( ع ) : « قد أحيى قلبه وأمات نفسه حتى دقّ جليله ولطف غليظه ، وبرق له لامع كثير البرق ، فأبان له الطريق ، وسلك به السبيل وتدافعته الأبواب إلى باب السلامة ودار الإقامة وتثبّتت « تثبت خ » رجلاه بطمأنينة بدنه في قرار الأمن والراحة بما استعمل قلبه وأرضى
هامش
( 1 ) احياء علوم الدين : ج 1 ص 24 . ( 2 ) نهج البلاغة : ص 118 خطبة رقم 87 « صبحي الصالح » .