والذي يطلب لذاته كاللذات ، والذي يطلب لذاته ولغيره فكسلامة البدن ، فانّ سلامة الرّجل مطلوبة من حيث إنّه سلامة عن الألم ، ومطلوبة للمشي بها والتوسّل إلى المآرب والحاجات .
وبهذا الاعتبار إذا نظرت إلى العلم رأيته لذيذا في نفسه فيكون مطلوبا لذاته ؛ ووجدته وسيلة إلى سعادة الدّنيا والآخرة وذريعة إلى القرب من اللّه فإنه لا يتوصّل إليهما إلا به ، وأعظم الأشياء رتبة في حقّ الآدميّ السّعادة الأبديّة والقرب من اللّه ، وأفضل الأشياء ما هو وسيلة إليهما ولا يتوصّل إليهما إلّا بالعلم والعمل ، ولا يتوصّل إلى العمل أيضا إلّا بالعلم بكيفية العمل ، فأصل السّعادة في الدّنيا والآخرة هو العلم فهو إذن أفضل الأشياء وكيف لا ؟ وقد تعرف فضيلة الشيء بشرف ثمرته ، وقد عرفت أن ثمرة العلم القرب من ربّ العالمين والالتحاق بأفق الملائكة ومقاربة الملأ الأعلى هذا في الآخرة ، وأما في الدّنيا فالعزّ والوقار ونفوذ الحكم على الملوك ولزوم الاحترام في الطباع حتى أن أغبياء الترك وأجلاف العرب يصادفون طباعهم مجبولة على التوقير لشيوخهم ، لاختصاصهم بمزيد علم مستفاد من التجربة ، بل البهيمة بطبعها توقر الانسان لشعورها بتميز الانسان بكمال مجاوز لدرجتها ، هذه فضيلة العلم مطلقا .
ثم تختلف العلوم باختلاف مراتبها فيتفاوت لا محالة فضائلها بتفاوتها إلى أن ينتهي إلى معرفة اللّه تعالى بحقيقة اليقين [ العلم خ ] التي هي أصل كل معرفة راسخة .
قال الصّادق ( ع ) : « لو يعلم النّاس ما في فضل معرفة اللّه تعالى ما مدّوا أعينهم إلى ما مّتع به الأعداء من زهرة الحياة الدّنيا ونعيمها ، وكانت دنياهم أقل عندهم مما يطئونه بأرجلهم ، ولنعّموا بمعرفة اللّه تعالى وتلذّذوا بها تلذّذ من لم يزل في روضات الجنان مع أولياء اللّه ، إنّ معرفة اللّه تعالى انس من كل وحشة ، وصاحب من كل وحدة ، ونور من كل ظلمة ، وقوّة من كل ضعف ، وشفاء من كل سقم .
ثم قال : قد كان قبلكم قوم يقتلون ويحرقون وينشرون بالمناشير وتضيق عليهم الأرض برحبها ، فما يردّهم عماهم عليه شيء ممّا هم فيه غير ترة وتروا من فعل ذلك بهم ولا أذى بل ما نقموا منهم إلّا أن يؤمنوا باللّه العزيز الحميد ، فاسئلوا ربّكم درجاتهم ؛ واصبروا على نوائب دهركم تدركوا سعيهم » « 1 » .
هامش
( 1 ) الكافي : ج 8 ص 247 .