الفصل الثاني العلم علمان
العلم علمان : علم الدّنيا ، وعلم الآخرة . وعلم الدّنيا ما يرتبط به مصالح الدّنيا كالطب والحساب ، وعلم الآخرة علمان : علم يقصد لذاته ، وعلم يقصد للعمل ليتوسّل به إلى العلم المقصود لذاته ، فان أريد به الدّنيا التحق بعلم الدنيا ، وعلم الآخرة محمود كله ، وأما علم الدنيا فمنه محمود ومنه مذموم ، أما العلم المقصود لذاته فهو نور يظهر للقلب عند تطهيره وتزكيته من صفاته المذمومة فينكشف من ذلك النور أمور كان يسمع من قبل أسمائها ويتوهم لها معان مجملة غير متضحة .
فيتضح له ذلك حتى تحصل المعرفة الحقيقية بذات اللّه سبحانه وبصفاته التامات بقدر الامكان وبأفعاله وبحكمته في خلق الدنيا والآخرة ، ووجه ترتيبه الآخرة على الدنيا ، والمعرفة بمعنى النبوة والنبي ، وبمعنى الإمامة والامام ، ومعرفة معنى الوحي والالهام ، ومعنى الملائكة والشياطين وكيفية معاداة الشيطان للانسان وكيفية ظهور الملك للأنبياء ، وكيفية وصول الوحي إلى النبي ، وحديث الملك مع الامام والمعرفة بملكوت السماوات والأرض ، ومعرفة القلب وكيفية تصادم جنود الملائكة والشياطين فيه ، ومعرفة الفرق بين لمة الملك ولمة الشيطان ، ومعرفة الآخرة والجنة والنار وعذاب القبر والصراط والميزان والشفاعة والحساب ، ومعنى قوله عز وجل :
كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً
« 1 » ومعنى قوله تعالى :
وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
« 2 » ومعنى لقاء اللّه عز وجل والنظر إلى وجهه الكريم ، ومعنى القرب منه ، والمقام في جواره ، ومعنى حصول السعادة بمرافقة الملأ الاعلى ومقاربة الملائكة والنبيين ، ومعنى تفاوت درجات أهل الجنة حتى يرى بعضهم بعضا كما يرى الكواكب الدري في جو السماء إلى غير ذلك مما يطول تفصيله .
فان للناس في معاني هذه الأمور بعد التصديق بأصولها مقامات ، فبعضهم يرى أن جميع ذلك أمثلة وأن الذي أعد لعباده الصالحين مالا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، وأنه ليس مع الخلق من الجنة إلا الصفات والأسماء ، وبعضهم يرى أن بعضها أمثلة وبعضها يوافق حقائقها المفهومة من ألفاظها ، وكذا يرى بعضهم أن منتهى معرفة اللّه سبحانه
هامش
( 1 ) سورة الإسراء : آية 14 .
( 2 ) سورة العنكبوت : آية 64 .