تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
سبق بيانه ، ثمّ من العبادات ما يكره بسبب الكسل كالصّلاة ؛ ومنها ما يكره بسبب البخل كالزّكاة ، ومنها ما يكره بسببهما جميعا كالحج والجهاد ، فالصبر على الطاعة صبر على الشدائد ويحتاج المطيع إلى الصّبر عليها في ثلاثة أحوال . الأولى قبل الطاعة ، وذلك في تصحيح النية والاخلاص عن شوائب الرياء ودواعي الآفات والثانية حالة العمل كيلا يغفل عن اللّه في أثناء عمله ولا يتكاسل عن تحقيق آدابه وسننه ويدوم على ذلك إلى الفراغ والثالثة بعد الفراغ من العمل إذ يحتاج إلى الصبر عن افشائه والتظاهر به للسمعة والرّياء وعن النظر إليه بعين العجب وعن كل ما يبطل عمله ويحبط أجره . فاما المعاصي فاشدّ أنواع الصّبر عما كان مألوفا بالعادة ، فان العادة طبيعة ثانية فإذا انضافت إلى الشّهوة تظاهر جندان من جنود الشيطان على جند اللّه ، فلا يقوى باعث الدين على قمعها . ثمّ إن كان ذلك الفعل ممّا تيسّر فعله كان الصّبر عنه اثقل على النّفس ، كالصّبر عن معاصي اللسان من الغيبة والكذب والمراء والثناء على النفس تعريضا وتصريحا إلى غير ذلك وأيسر من حركة اللسان حركة الخواطر باختلاج الوساوس الا بأن يغلب على القلب هم آخر في الدين يستغرقه كمن أصبح وهمومه همّ واحد وأكثر جولان الخاطر إنّما يكون في فائت لا تدارك له أو في مستقبل لا بد وأن يحصل منه ما هو مقدّر ، وكيف ما كان هو تضييع زمان وآلة العبد قلبه فإذا غفل القلب في نفس واحد عن ذكر يستفيد به انسا باللّه أو فكر يستفيد به معرفة باللّه ويستفيد بالمعرفة محبة للّه فهو مغبون . القسم الثاني ما لا يرتبط هجومه باختياره وله اختيار في دفعه كما لو أوذي بفعل أو قول أو جني عليه في نفسه أو ماله فالصّبر على ذلك بترك المكافأة ، قال اللّه تعالى
وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ
« 1 » وقال تعالى :
وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا
« 2 » وقال :
وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
« 3 » وقال النبي ( ص ) : « صل من قطعك واعط من حرمك واعف عمّن ظلمك » « 4 » .
هامش
( 1 ) سورة إبراهيم : آية 12 ( 2 ) سورة المزمل : آية 10 ( 3 ) سورة آل عمران : آية 186 ( 4 ) ارشاد القلوب : ص 135 وانظر تحف العقول : ص 37