المقالة الرابعة في مكارم الأخلاق وتحصيلها وفيها ستة أبواب .
الباب الأول في فضيلة الصبر
في الصّبر وهو ثبات باعث الدّين في مقابلة باعث الهوى ، فعلى الشاق كالعبادة والمكروه كالمصيبة صبر مطلقا ، وضدّه الجزع والهلع ، وهو الاسترسال في رفع الصوت وضرب الخدود وشق الجيوب .
وعن شهوة البطن والفرج عفّة وضدّه الشّره « 1 » ، وفي الغنى ضبط النّفس وضده البطر « 2 » ، وفي الحرب شجاعة وضدّه الجبن ، وفي كظم الغيظ حلم وضدّه الغضب ، وفي النّوائب سعة الصّدر وضدّه ضيق الصّدر والضّجر والتبرم ، وفي إخفاء الأمر كتمان وضدّه الإضاعة وفي فضول العيش زهد وضدّه الحرص .
ومدد باعث الدّين من الملائكة الناصرين لحزب اللّه ، ومدد باعث الهوى من الشياطين الناصرين لأعداء اللّه ، فان ثبت باعث الدين بامداد الملائكة حتّى قهر باعث الهوى واستمرّ على مخالفته ، الحق بالصابرين ، وان تخاذل وضعف حتى غلب الهوى ولم يصبر في دفعه التحق باتباع الشياطين وهذا الثبات إنما يكون بقوة المعرفة التي تسمى إيمانا وهو اليقين بكون الهوى عدوّا قاطعا لطريق اللّه .
وقد وصف اللّه تعالى الصّابرين بأوصاف وكرّر ذكر الصّبر في القرآن وأضاف أكثر الخيرات والدّرجات إليه وجعلها ثمرة له فقال عزّ من قائل :
وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا
هامش
( 1 ) شره كفرح غلب حرصه . م .
( 2 ) البطر سوء احتمال الغنى والطغيان عند النعمة ويقال هو التجبر وشدة النشاط . م .