الفصل الثالث من المغترين أرباب الأموال
وأمّا أرباب الأموال ففرقة منهم يحرصون على بناء المساجد والمدارس والرّباط « 1 » والقناطير « 2 » وما يظهر للناس كافة بأموال كسبوها من غير حلها ويكتبون أسماءهم بالأحجار عليهم ليتخلد ذكرهم ويبقى بعد الموت أثرهم ويظنون أنهم قد استحقوا المغفرة بذلك وأنّهم مخلصون فيه ، ولو كلف أحد منهم أن ينفق دينارا ولا يكتب اسمه على الموضع الذي انفق عليه لشق عليه ولم تسمح به نفسه ، واللّه تعالى مطلع عليه كتب اسمه أم لم يكتب ، فلو لا أنه يريد وجه الناس لا وجه اللّه لما افتقر إلى ذلك وربما يكون في جوار أحدهم أو في بلده فقير وصرف المال إليهم أهم من الصرف إلى المساجد وزينتها .
ومنهم من ينفق الأموال في الصّدقات على الفقراء والمساكين ويطلب به المحافل الجامعة والفقراء الذين عادتهم الشكر والافشاء للمعروف ، ويكره التصدق في السّر ويرى إخفاء الفقير لما أخذ منه خيانة عليه وكفرانا .
ومنهم من يحفظ ماله ويمسكه بحكم البخل ثم يشتغل بالعبادات البدنية التي لا يحتاج فيها إلى نفقة كصيام النهار وقيام الليل وختم القرآن وهو يظن أنّه على خير .
ومنهم من لا تسمح نفسه إلا بأداء الزّكاة فقط ، ثم يخرجها من المال الخبيث الرّدي الذي يرغب عنه ويطلب من الفقراء من يخدمه ويتردّد في حاجته ويظن أنّه أداها للّه ، وأصناف الغرور لا تحصى .
وفي مصباح الشريعة قال الصّادق ( ع ) : « المغرور في الدّنيا مسكين وفي الآخرة مغبون لأنه باع الأفضل بالأدنى ، ولا تعجب من نفسك حيث ربّما اغتررت بمالك وصحّة جسمك لعلك تبقى ، وربّما اغتررت بطول عمرك وأولادك وأصحابك لعلك تنجو بهم ، وربّما اغتررت بحالك ونيتك وإصابتك ما مولك وهواك وظننت أنّك صادق ومصيب ، وربّما اغتررت بما ترى الخلق من النّدم على تقصيرك في العبادة ولعل اللّه تعالى يعلم من قلبك بخلاف ذلك ، وربّما أقمت نفسك بالعبادة متكلفا واللّه يريد الاخلاص ، وربّما افتخرت بعلمك ونسبك وأنت غافل
هامش
( 1 ) الرباط واحد الرباطات المبنية للفقراء مولد والجمع ربط بضمتين ورباطات . م .
( 2 ) القنطرة ما يبنى على الماء للعبور عليه ، والجسر أعم لأنه يكون بناء وغير بناء . م .