تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
أنه ليس محبّا لذلك الجاه وهو مغرور وإنما سكنت نفسه لأنها ظفرت بمقصودها . ولو تغير الناس عما اعتقدوا فيه وذموه أو نسبوه إلى أمر غير لايق به جزعت نفسه وتألمت وربما توصلت إلى الاعتذار من ذلك وإماطة ذلك الغبار عن قلوبهم وربّما يحتاج في إزالة ذلك عن قلوبهم إلى كذب وتلبيس ولا يبالي به وبه يتبين أنه بعد محب للجاه والمنزلة . ولا يمكنه أن لا يحب المنزلة في قلوب الناس ما دام يطمع في الناس ، ولا يقطع الطمع عن الناس إلا بالقناعة فمن قنع استغنى عن النّاس وإذا استغنى لم يشتغل قلبه بالنّاس ولم يكن لقيام منزلته بالقلوب عنده وزن ويستعين على جميع ذلك بالأخبار الواردة في ذم الجاه ومدح الخمول مثل قولهم المؤمن لا يخلو من ذلة أو علّة أو قلة إلى غير ذلك . وحبّ المدح كحبّ الجاه حرمة وإباحة ونفعا وضرا ، وعلاجه علاج حبّ الجاه وعلمه بان الصّفة الممدوح بها إن فقدت فاستهزاء وإن وجدت فالدنيوية كمال وهمي والدينية موقوفة على الخاتمة . وعلاج كراهة الذم العلم بان الصّفة المذموم بها إن وجدت فتبصير للعيوب وفيه الفرح والشغل بالإزالة وإن فقدت فكفارة للذنوب وفيه الشّكر للّه والترحم عليه حيث أهل نفسه كما قال النبي ( ص ) : « اللهمّ اهد قومي فانّهم لا يعلمون » « 1 » لما ان كسروا رباعيّته « 2 » . والانسان يفرح بما يذم عدوّه وهو شخص عدوّه نفسه فينبغي أن يفرح إذا سمع ذمّها ويشكر الذامّ عليها ويعتقد فطنته وذكائه لما وقف على عيوبها ، فيكون ذلك كالتشفي له من نفسه ويكون غنيمة عنده إذ صار بالمذمة أوضع في أعين النّاس حتى لا يبتلى بفتنة الجاه وإذا سبقت « سيقت خ » إليه حسنات لم ينصب فيها فعساه يكون جبرا لعيوبه التي هو عاجز عن اماطتها ، ولو جاهد نفسه طول عمره في هذه الخصلة الواحدة وهي أن يستوي عنده ذامّه ومادحه ، لكان له شغل شاغل فيه لا يتفرغ معه لغيره ، وبينه وبين السعادة عقبات كثيرة هذه إحدى تلك العقبات ولا يقطع شيء منها إلا بالمجاهدة الشديدة في العمر الطويل .
هامش
( 1 ) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة والحديث في الصحيح انه صلى اللّه عليه وآله قال حكاية عن نبي من الأنبياء حين ضربه قومه ( المعنى ) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 99 وفيه : « اللهم اغفر لقومي . . . » . ( 2 ) الرباعيية بالفتح السن التي بين الثنية والناب من كل جانب والجمع الرباعيات . م .