التظاهر بخصال حميدة وهو خال عنها ؛ وذلك عين النفاق .
وعلاجه العلمي أن يعلم أن السّبب الذي لأجله أحبّ الجاه وهو كمال القدرة على أشخاص النّاس وعلى قلوبهم إن صفى وسلم فآخره الموت ، فليست من الباقيات الصالحات بل لو سجد له كل من على وجه الأرض وإلى خمسين سنة لا يبقى الساجد ولا المسجود له ، ويكون حاله كحال من مات قبله من ذوي الجاه مع المتواضعين له فهذا ينبغي أن يترك به الدين الذي هو الحياة الأبدية التي لا انقطاع لها ومن فهم الكمال الحقيقي والكمال الوهمي كما سبق صغر الجاه في عينه إلا أن ذلك انما يصغر في عين من ينظر إلى الآخرة كأنه يشاهدها ويستحقر العاجلة ، ويكون الموت كالحاصل عنده .
وأبصار أكثر الخلق ضعيفة مقصورة على العاجلة لا يمتد نورها إلى مشاهدة العواقب كما قال اللّه تعالى :
بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى
« 1 » وقال :
كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ
« 2 » إلى غيرها من الآيات .
فمن هذا حده فينبغي أن يعالج قلبه في حبّ الجاه بالعلم بالآفات العاجلة ، وهو أن يتفكر في الاخطار التي يستهدف لها أرباب الجاه في الدنيا ، فان كل ذي جاه محسود مقصود بالايذاء وخائف على الدّوام على جاهه ومحترز من أن يتغير منزلته في القلوب والقلوب أشد تغيّرا من القدر في غليانه ، وهي مردّدة بين الاقبال والاعراض ، فكل ما يبنى على قلوب الخلق يضاهي ما يبنى على أمواج البحر ، فانّه لا ثبات له والاشتغال بمراعاة القلوب وحفظ الجاه ودفع كيد الحساد ومنع أذى الأعداء اشتغال عن اللّه وتعرض لمقته في العاجل والاجل كل ذلك غموم عاجلة مكدّرة للذة الجاه فلا يفي في الدّنيا أيضا مرجوها بمخوفها فضلا عمّا يفوت في الآخرة فهذا ينبغي أن يعالج البصيرة الضعيفة ، وأما من نفذت بصيرته وقوي ايمانه فلم يلتفت إلى الدّنيا ، فهذا هو العلاج من حيث العلم .
وأما من حيث العمل فاسقاط الجاه عن قلوب الخلق بالانس والخمول « 3 » والقناعة بالقبول من الحلق والاعتزال عن النّاس والهجرة إلى مواضع الخمول ، فان المعتزل في بيته في البلدة التي هو بها مشهور لا يخلو عن حب المنزلة التي ترسخ له في القلوب بسبب عزلته ، فربّما يظن
هامش
( 1 ) سورة الأعلى : آية 16 و 17
( 2 ) سورة القيامة : آية 20 و 21
( 3 ) الخمل الاستتار ومنه رجل خمول