أصلين أحدهما ان الدنيا نقد والآخرة نسية وهذا صحيح والاخر أنّ النقد خير من النسية وهذا محلّ تلبيس ، فليس الامر كذلك ، بل إن كان النقد مثل النسية في المقدار والمقصود فهو خير ، وإن كان أقلّ منه فالنسية خير ، فان هذا المغرور يبذل في تجارته درهما ليأخذ عشرة نسية ولا يقول : النقد خير من النسية فلا أتركه وإذا حذّره الطبيب الفواكه ولذايذ الأطعمة تركها في الحال خوفا من ألم المرض في المستقبل ، وقد ترك النقد ورضي بالنسية ، والتجار كلهم يركبون البحار ويتعبون في الاسفار نقدا لأجل الراحة والربح نسية ، فإن كان عشرة في ثاني الحال خيرا من واحد في الحال فانسب لذة الدنيا من حيث مدّتها إلى مدّة الآخرة .
وأمّا قولهم إن اليقين خير من الشك والدنيا يقين والآخرة شكّ فهو أكثر فسادا من الاوّل لان كلي أصليه باطل .
إذ اليقين خير من الشك إذا كان مثله والا فالتاجر في سعيه على يقين وفي ربحه على شكّ والمتفقه في اجتهاده على يقين وفي إدراكه رتبة العلم على شكّ والصيّاد في تردّده في المقتنص على يقين وفي اقتناصه الظفر بالصّيد على شكّ ، والمريض من مرارة الدواء على يقين ومن الشفاء على شك ، وكذلك الحزم « 1 » دأب العقلاء فمن شك في الآخرة فيجب عليه بحكم الحزم أن يقول الصّبر أياما قلائل وهو منهى العمر قليل بالإضافة إلى ما يقال من أمر الآخرة ، فإن كان ما قيل فيه كذبا فما يفوتني إلا التنعم أيّام حياتي ، وإن كان صدقا فأبقى في النّار أبد الآباد وهذا لا يطاق .
وأما الأصل الثاني وهو أن الآخرة شكّ فهو أيضا خطاء بل ذلك يقين عند المؤمنين وليقينه مدركان أحدهما الايمان والتصديق للأنبياء والعلماء والثاني الوحي والالهام للأنبياء والأولياء إذ كشف لهم حقيقة الأشياء كما هي عليها وشاهدوها بالبصيرة الباطنة كما تشاهد أنت المحسوسات بالبصيرة الظاهرة فيخبرون عن مشاهدة لا عن سماع وتقليد .
واما الغرور باللّه فمثاله قول بعضهم في أنفسهم وبألسنتهم انه إن كان للّه معاد فنحن أحقّ به من غيرنا ونحن أوفر حظا وفيه أسعد حالا كما أخبر اللّه من قول الرّجلين المتحاورين إذ قال
وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً
« 2 » .
هامش
( 1 ) حزم فلان رأيه حزما أتقنه
( 2 ) اي كما أعطاني هذه في الدنيا سيعطيني في الآخرة أفضل منها لكرامتي عليه ، ظن الجاهل انه أوتي ما أوتي لكرامته على اللّه تعالى وهذا معنى الغرور باللّه ، والقصة مذكورة تفصيلا في سورة الكهف آية 36 فليراجع .