الذي يباع به الطعام فكذلك لا يخلو عن الحاجة إلى خادم يخدمه ورفيق يعينه وسلطان يحرسه ويدفع عنه ظلم الأشرار .
فحبّه لان يكون له قلب خادمه من المحل ما يدعوه إلى الخدمة ليس بمذموم وكذا حبّه لان يكون له في قلب رفيقه من المحل ما يحسن به مرافقته ومعاونته ، وكذا حبه لان يكون له في قلب أستاذه من المحل ما يحسن به إرشاده وتعليمه والعناية به ، وكذا حبّه لان يكون له من المحل في قلب السلطان ما يحسنه ذلك على دفع الشر عنه .
فان الجاه وسيلة إلى الاغراض كالمال فلا فرق بينهما إلا أنّ التحقيق في هذا يفضي إلى أن لا يكون المال والجاه في أعيانهما محبوبين ، بل ينزل ذلك منزلة حبّ الانسان أن يكون في داره بيت ماء ، لأنه يضطر إليه لقضاء حاجته ويود لو استغنى عن قضاء الحاجة حتى يستغني عن بيت الماء إلا أنه لا يوصف محّبهما بالفسق والعصيان ما لم يحمله الحبّ على مباشرة معصية ولم يتوصّل إلى اكتسابه بكذب وخداع وارتكاب محظور ، وما لم يتوصّل إلى اكتسابه بعبادة .
فان التوصّل إلى المال والجاه بالعبادة جناية على الدين ، وهو حرام وإليه يرجع معنى الرّياء المحظور فاما أن يطلبهما باخفاء عيب من عيوبه ومعصية من معاصيه حتّى لا يعلمه فلا يزول به منزلته فهو مباح أيضا لان حفظ السّتر على القبايح جايز بل لا يجوز هتك السّتر وإظهار القبيح .
وهذا ليس فيه تلبيس بل هو سدّ طريق العلم بما لا فايدة في العلم به كالذي يخفي عن السّلطان أنه يشرب الخمر ولا يلقى إليه أنه ورع فان قوله إنه ورع تلبيس وعدم إقراره بالشرب لا يوجب اعتقاده الورع بل يمنع العلم بالشرب .
الفصل الثالث في حب المدح والثناء
وأما حب المدح والثناء فله أسباب :
الأوّل وهو الأقوى شعور النفس بالكمال ، فان النفس مهما شعرت بكمالها ارتاحت واهتزت وتلذذت ، والمدح يشعر نفس الممدوح بكمالها وتعظم اللذة بهذه العلة مهما صدر الثناء من بصير خبير لا يجازف في القول ، ولهذه العلة يبغض الذم أيضا ويكره ، لانّه يشعر