وهذا قياس من أقيسة إبليس ، وذلك لأنهم ينظرون مرّة إلى نعم اللّه عليهم في الدنيا فيقيسون عليها نعمة الآخرة وينظرون إلى تأخير اللّه العذاب عنهم فيقيسون عليه عذاب الآخرة كما قال تعالى :
وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ
ومرّة ينظرون إلى المؤمنين وهم فقراء شعث غبر « 1 » فيزدرون بهم ويستحقرونهم فيقولون :
أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا
« 2 » ويقولون :
لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ
« 3 » وقياسهم أنه قد أحسن اللّه إلينا بنعيم الدنيا وكلّ محسن فهو محبّ وكل محبّ فانّه يحسن في المستقبل أيضا والتلبيس تحت ظنه إنّ كل محسن محب بل تحت ظنه ان انعامه عليه في الدّنيا إحسان ، فقد اغترّ باللّه إذ يظن أنه كريم عنده بدليل لا يدل على الكرامة بل عند ذوي البصاير يدلّ على الهوان ، فان نعيم الدّنيا ولذاتها مهلكات مبعدات من اللّه تعالى ، وأنّ اللّه يحمي « 4 » عبده الدّنيا وهو يحبّه كما يحمي أحدكم مريضه الطعام والشراب وهو يحبّه كما ورد في الخبر .
وهذا المغرور علاجه معرفة دلايل الكرامة والهوان إما بالبصيرة وإما بالتقليد قال اللّه تعالى :
أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ
« 5 » وقال :
سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ
« 6 » وقال :
فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ
« 7 » .
ومنشأ هذا الغرور الجهل باللّه وبصفاته فان من عرفه لا يأمن مكره ولا يفتر بأمثال هذه الخيالات وينظر إلى فرعون وقارون وإلى ملوك الأرض وكيف أحسن اللّه إليهم ابتداء ثمّ دمّرهم تدميرا ومكروا ومكر اللّه واللّه خير الماكرين ، ولا يأمن مكر اللّه إلا القوم الخاسرون .
الفصل الأول في فرق المغترين
إعلم أن فرق المغترّين كثيرة وجهات غرورهم مختلفة فمنهم من رأى المنكر معروفا كالذي يتخذ المساجد ويزخرفها من المال الحرام ومنهم من لم يميز بين ما يسعى فيه لنفسه وما يسعى فيه للّه كالواعظ الذي غرضه القبول والجاه ومنهم من
هامش
( 1 ) شعث الشعر شعثا فهو شعث من باب تعب تغير وتلبد . والغبرة لون الأغبر الشبيه بالغبار
( 2 ) سورة الأنعام : آية 53
( 3 ) سورة الأحقاف : آية 11
( 4 ) أي يمنع
( 5 ) سورة المؤمنون : آية 55
( 6 ) سورة الأعراف : آية 182
( 7 ) سورة الأنعام : آية 44