تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
بنقصان في نفسه . والسبب الثاني أن المدح يدل على أن قلب المادح ملك الممدوح وأنه مريد له ومعتقد فيه ومسخّر تحت مشيته ، وملك القلوب محبوب والشعور بحصوله لذيذ وبهذه العلة تعظم اللذة مهما صدر ممّن يتّسع قدرته وينتفع باقتناص قلبه ، كالملوك والأكابر ، ولهذه العلة أيضا يكره الذم ويتألم به . والسبب الثالث أن ثناء المثني ومدح المادح سبب لاصطياد قلب كل من يسمعه لا سيّما إذا كان ذلك ممن يلتفت إلى قوله ويعتقد بثنائه وهذا يختص بثناء يقع على الملأ . والسّبب الرابع أن المدح يدلّ على حشمة الممدوح واضطرار المادح إلى اطلاق اللسان بالثناء عليه إما عن طوع وإما عن قهر ، فان الحشمة أيضا لذيذة لما فيها من القهر والقدرة . وهذه الأسباب قد تجتمع في مدح مادح واحد فيعظم به الالتذاذ ويندفع استشعار الكمال بأن يعلم الممدوح أنه غير صادق في مدحه فإن كان يعلم أن المادح ليس يعتقد ما يقوله بطلت اللذة الثانية وهي استيلاؤه على قلبه وبقيت لذة الاستيلاء بالحشمة على اضطرار لسانه إلى النطق بالثناء .

الفصل الرابع في حب الجاه والمدح والثناء

اعلم أن من غلب على قلبه حبّ الجاه صار مقصورا لهم على مراعاة الخلق ، مشغوفا بالتودّد إليهم والمراياة لأجلهم ، ولا يزال في أقواله وافعاله ملتفتا إلى ما عظم منزلته عندهم ، وذلك بذر النفاق وأصل الفساد ، ويجرّ ذلك لا محالة إلى التساهل في العبادات والمراياة بها وإلى اقتحام المحظورات للتوصّل بها إلى اقتناص القلوب . ولذلك شبه رسول اللّه ( ص ) « حبّ الشرف والمال ، وإفسادهما للدين بذئبين ضاريين « 1 » ، وقال ( ص ) : « إنه ينبت النفاق كما ينبت الماء البقل » « 2 » إذ النفاق هو مخالفة الظاهر للباطن بالقول والفعل ، وكل من طلب المنزلة في قلوب النّاس فيضطر إلى النفاق معهم وإلى
هامش
( 1 ) الذئب الضاري الذي اعتاد اكل لحوم الناس وقد مر الحديث بلفظه عن قريب ( 2 ) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 256