وقد يحتاج في استبقاء هذه القوى إلى القدرة بالمال والجاه للتوصّل به إلى المطعم والملبس ، وذلك إلى قدر معلوم فإن لم يستعمله للوصول به إلى معرفة اللّه فلا خير فيه البتة إلا من حيث اللذة الحالية التي تنقضي على القرب .
ولا طريق للعبد إلى اكتساب كمال القدرة الباقية بعد الموت إذ قدرته على أعيان الأموال وعلى استسخار القلوب والأبدان تنقطع بالموت ومن ظن ذلك كمالا فقد جهل ، فالخلق كلهم في غمرة هذا الجهل ، فإنهم يظنون أن القدرة على الأجساد بقهر الحشمة ، وعلى أعيان الأموال بسعة الغنى ، وعلى تعظيم القلوب بسعة الجاه والمال كمال ، فلما اعتقدوا الكمال ذلك أحبّوه ، ولّما أحبّوه طلبوه ، ولما طلبوه شغلوا به وتهالكوا عليه ، فنسوا الكمال الحقيقي الذي يوجب القرب من اللّه تعالى ومن ملائكته وهو العلم والحرية .
وهؤلاء هم الذين اشتروا الحياة الدّنيا بالآخرة ، فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون ، وهم الذين لم يفهموا قوله تعالى :
الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ
« 1 » .
فالعلم والحرّية هي الباقيات الصّالحات التي تبقى كمالا للنفس ، والجاه والمال هو الذي ينقضي على القرب وهو كما مثله اللّه تعالى :
إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ
« 2 » الآية ، وكل ما تذوره الرّياح بالموت فهو زهرة الحياة الدّنيا ، وكلما لا يقطعه الموت فهو من الباقيات الصالحات .
فقد عرفت بهذا أن كمال القدرة بالمال والجاه كمال وهمي لا أصل له وأن من قصر الوقت على طلبه وظنه مقصودا فهو جاهل الا قدر البلغة منها إلى الكمال الحقيقي .
الفصل الثاني بعض الجاه ضرورة في بعض الأحيان
اعلم أنه كما لا بد من أدنى المال لضرورة المطعم والملبس فلا بد من أدنى جاه لضرورة المعيشة مع الخلق ، والانسان كما لا يستغني عن طعام يتناوله فيجوز أن يحبّ الطعام والمال
هامش
( 1 ) سورة الكهف : آية 46
( 2 ) سورة يونس : آية 24