عن تقدير سبب يزعجه « 1 » عن الوطن أو يزعج أولئك عن أوطانهم إلى وطنه ويحتاج إلى الاستعانة بهم .
وأما السبب الخفي وهو الأقوى أن الرّوح أمر ربّاني يحب الرّبوبية بالطبع ومعنى الربوبّية التوحدّ بالكمال ، والعبوديّة قهر على النّفس ولكن لما عجزت النفس عن درك منتهى الكمال لم تسقط شهوتها للكمال ؛ فهي محبة للكمال مشتهية له ملتذّة به لذاته لا لمعنى آخر وراء الكمال ، فكل موجود فهو محبّ لذاته ولكمال ذاته ، ومبغض للهلاك الذي هو عدم ذاته أو عدم صفات الكمال من ذاته ، فصار الاستيلاء على الأموال والقلوب محبوبا بالطبع وإن كان لا يحتاج إليها في ملبسه ومطعمه وفي شهوات نفسه ، ولذلك طلب استرقاق العبيد واستعباد أشخاص الأحرار ولو بالقهر والغلبة .
الفصل الأول طرق الكمال
اعلم أن الكمال الحقيقي الذي يقرب من اتصف به من اللّه تعالى ويبقى كمالا للنفس بعد الموت ليس إلا العلم باللّه وبصفاته وأفعاله وحكمته في ملكوت السماء والأرض وترتيب الدّنيا والآخرة وما يتعلّق به ثم الحريّة أعني الخلاص عن أسر الشهوات وغموم الدنيا والاستيلاء عليها بالقهر تشبها بالملائكة الذين لا يستفزهم والألفين ولا يستهويهم « لا يسبق بهم خ » الغضب .
وأما ماله منفعة في الإعانة على معرفة اللّه كمعرفة لغة العرب وتفسير القرآن والفقه والأخبار ومعرفة طريق تزكية النفس لقبول الهداية إلى معرفة اللّه تعالى كما قال عزّ وجلّ
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها
« 2 » وقال :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
« 3 » فهو من حيث إنه وسيلة إلى معرفة اللّه وإلى تحصيل الحرّية فممّا لا بد منه بالعرض .
وأما القدرة فليس فيها كمال حقيقي للعبد إذ ليس له قدرة حقيقية وإنما القدرة الحقيقية للّه تعالى وما يحدث من الأشياء عقيب إرادة العبد وقدرته وحركته فهي حادثة باحداث اللّه كما حقق في موضعه ، نعم له كمال من جهة القدرة بالإضافة إلى الحال ، وهي وسيلة إلى كمال العلم ، كسلامة أطرافه وقوة يده للبطش ورجله للمشي وحواسّه للادراك ، فان هذه القوى آلة للوصول به إلى حقيقة كمال العلم .
هامش
( 1 ) ازعجه أقلقه وقلعه من مكانه
( 2 ) سورة الشمس : آية 9
( 3 ) سورة العنكبوت : آية 69