ويحتاج فيه إلى الحفظ والحراسة وتتطرق إليه أخطار كثيرة ، وأما القلوب إذا ملكت لم يتعرض لهذه الآفات فان ذا الجاه في أمن وأمان من الغضب والسرقة فيها ، نعم إنما تغصب القلوب بالتضريب وتقبيح الحال وتغيير الاعتقاد فيما صدق به من أوصاف الكمال وذلك مما يهون دفعه .
والثالث أن ملك القلوب يسري وينمو ويتزايد من غير حاجة إلى تعب ومقاساة لأن القلوب إذا أذعنت لشخص واعتقدت كماله بعلم أو عمل أو غيرهما أفصحت الألسنة لا محالة بما فيها ، فتصف بما تعتقده لغيره واستطار في الأقطار فاقتنصت القلوب ودعتها إلى الاذعان والتعظيم ، فلا يزال يسري من واحد إلى واحد ويتزايد ، وليس له مرد معين ، وأما المال فمن ملك منه شيئا فهو مالكه فقط ولا يقدر على استنمائه إلا بتعب ومقاسات .
وأما حب جمع المال وكنز الكنوز وادّخار الذخاير واستكثار الخزاين وراء جميع الحاجات وحبّ اتساع الجاه وانتشار الصّيت إلى أقاصي البلاد التي يعلم قطعا أنه قط لا يطأها ولم يشاهد أصحابها ليعظموه أو يعينوه على غرض من أغراضه فله سببان : أحدهما جلي ، والاخر خفي يدقّ عن أفهام الأزكياء فضلا عن الأغبياء ، وذلك لاستمداده من عرق خفيّ في النفس وطبيعة مستكنّة في الطبع لا يكاد يقف عليه إلا الغواصون .
أما الجلي فهو دفع ألم الخوف ، لأن الشّفيق لسوء الظن مولع ، والانسان وإن كان مكتفيا في الحال فانّه طويل الأمل ويخطر بباله أن المال الذي فيه كفايته ربما يتلف فيحتاج إلى غيره ، فإذا خطر ذلك بباله هاج الخوف من قلبه ولا يدفع ألم الخوف إلا الأمن الحاصل بوجود مال آخر يفزع إليه إن أصابت هذا المال جائحة « 1 » فهو أبدا لشفقته على نفسه وحبه للحياة بقدر طول الحياة وبقدر هجوم الحاجات وبقدر إمكان تطرق الآفات إلى الأموال ويستشعر الخوف من ذلك فيطلب ما يدفع الخوف وهو كثرة المال حتى إن أصيب بطائفة من ماله استغنى بالأخرى ، وهذا خوف لا موقف له عند مقدار مخصوص من المال فلذلك لم يكن لميله موقف إلى أن يملك جميع ما في الدّنيا ، ولذلك ورد : « منهومان لا يشبعان : منهوم « 2 » العلم ومنهوم المال » « 3 » ، ومثل هذه العلّة تطرد في حبّه قيام المنزلة والجاه في قلوب الأباعد عن وطنه وبلده ، فإنه لا يخلو
هامش
( 1 ) جاحت الآفة المال تجوحه جوحا من باب قال أهلكته . م .
( 2 ) المنهوم في الأصل هو الذي لا يشبع من الطعام ولا يمل عن الاكل وقد مر هذا الحديث عن قريب .
( 3 ) احياء علوم الدين : ج 3 ص 223 وتنبيه الخواطر : ج 1 ص 163