تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
الفارسي وأبي ذر رضي اللّه عنهما . فأمّا سلمان فكان إذا أخذ عطاءه رفع منه قوته لسنة حتى يحضر عطاءه من قابل ، فقيل له : يا أبا عبد اللّه أنت في زهدك تصنع هذا وأنت لا تدري لعلك تموت اليوم أو غدا فكان حوابه أن قال : ما لكم لا ترجون لي البقاء كما خفتم عليّ الفناء ، أما علمتم يا جهلة أن النّفس قد تلتات « تلتاث خ » على صاحبها إذا لم يكن لها من العيش ما تعتمد عليه ، فإذا هي أحرزت معيشتها اطمأنت . وأمّا أبو ذرّ فكانت له نويقات وشويهات يحلبها ويذبح منها إذا اشتهى أهله اللحم أو نزل به ضيف أو رأى بأهل الماء الذين معه خصاصة نحر لهم الجزور أو من الشاة على قدر ما يذهب عنهم بقرم « 1 » اللحم فيقسمه بينهم ويأخذ هو كنصيب واحد منهم لا يتفضّل عليهم ، ومن أزهد من هؤلاء ؟ وقد قال فيهم رسول اللّه ( ص ) ما قال ولم يبلغ من أمرهما أن صارا لا يملكان شيئا البتة كما تأمرون النّاس بالقاء أمتعتهم وشيئهم « شيئتهم خ » ويؤثرون به على أنفسهم وعيالاتهم . واعلموا أيها النفر أني سمعت أبي يروي عن آبائه أن رسول اللّه ( ص ) قال يوما : ما عجبت من شيء كعجبي من المؤمن « انه خ » إن قرض جسده في دار الدنيا بالمقاريض كان خيرا له ، وإن ملك ما بين مشارق الأرض ومغاربها كان خيرا له ، وكلّ ما يصنع اللّه به فهو خير له » « 2 » .

الفصل الخامس الخلاص من الدنيا بالزهد

قد ظهر ممّا ذكرنا أنه لا خلاص من تبعة الدنيا وغوائلها إلا بالزهد فيها ، وهو أن لا يريدها بقلبه إلا بقدر ضرورة بدنه ، وهو مقام عال قال اللّه تعالى :
فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ
« 3 » إلى قوله
وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ
« 4 » نسب الزهد إلى العلماء ووصف أهله بالعلم وهو غاية الثناء ، وقال عزّ وجل :
مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ
هامش
( 1 ) القرم بالتحريك شدة شهوة اللحم حتى لا يصبر عنه م . ( 2 ) تحف العقول : ص 258 ( 3 ) سورة القصص : آية 79 ( 4 ) سورة القصص : آية 80 .
الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 120 | الفيض الكاشاني / محسن عقيلى