تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
خَصاصَةٌ
« 1 » وقال النبيّ ( ص ) : « أيما امرء اشتهى شهوة فرد شهوته وآثر على نفسه غفر له » « 2 » . وينبغي للفقير أن لا يمنع بذل قليل ما يفضل عنه ، فان ذلك جهد المقل وفضله أكثر من أموال كثيرة تبذل من ظهر غنى وقال النبيّ ( ص ) : « درهم من الصّدقة أفضل عند اللّه من مأة ألف درهم قيل وكيف ذلك يا رسول اللّه ؟ قال : اخرج رجل من عرض ماله مأة ألف يتصدق بها وأخرج رجل درهما من درهمين لا يملك غيرهما طيبة بها نفسه ، فصار صاحب الدرهم أفضل من صاحب مأة ألف درهم » « 3 » . واعلم أن الامساك حيث يجب البذل بخل والبذل حيث يجب الامساك تبذير وبينهما وسط هو المحمود وينبغي أن يكون السخاء والجود عبارة عنه إذ لم يؤمر رسول اللّه ( ص ) إلا بالسخاء وقيل له :
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ
« 4 » وقال تعالى :
وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً
« 5 » فالجود وسط بين الاقتار والاسراف وبين البسط والقبض وهو ان يقدر بذله وامساكه بقدر الواجب ولا يكفي أن يفعل ذلك بجوارحه ما لم يكن قلبه طيّبا به غير منازع له فيه ، بل ينبغي أن لا يكون لقلبه علاقة مع المال إلا من حيث يراد المال له ، وهو صرفه إلى ما يجب صرفه إليه شرعا أو مروة وعادة ، وواجب المروة والعادة يختلف في الأحوال والاشخاص فيستقبح من الغنى المضايقة ما لا يستقبح من الفقير ، ومع الأهل والأقارب ما لا يستقبح من الأجانب ، ومع الجار ما لا يستقبح مع البعيد ، وفي الضيافة ما لا يستقبح أقل منه في المبايعة والمعاملة إلى غير ذلك . وبالجملة حد البخل هو امساك المال عن غرض ذلك الغرض وهو أهم من حفظ المال وفي مقابلة السخاء والجود .

الباب الرابع في ذم حب الجاه

في ذم حب الجاه اعلم أن أصل الجاه هو انتشار الصّيت والاشتهار ، وهو آفة عظيمة وحبّه
هامش
( 1 ) سورة الحشر : آية 9 ( 2 ) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 172 ( 3 ) إحياء علوم الدين : ج 4 ص 192 . ( 4 ) سورة الإسراء : آية 29 . ( 5 ) سورة الفرقان : آية 67 .