تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
والرابع أن يضع ما اكتسبه من حلّه في حقه ولا يضعه في غير حقه فان الاثم في الأخذ من غير حقّه والوضع في غير حقه سواء . والخامس أن يصلح نيته في الأخذ والترك والانفاق والامساك ، فيأخذ ما يأخذ ليستعين به على العبادة ويترك ما يترك زهدا فيه واستحقارا له ، وإذا فعل ذلك لم يضرّه وجود المال . قال أمير المؤمنين ( ع ) : « لو أن رجلا أخذ جميع ما في الأرض وأراد به وجه اللّه فهو زاهد ، ولو أنه ترك الجميع ولم يرد وجه اللّه فليس بزاهد » « 1 » . إن قيل : أيهما أفضل الغنى بنية الاستعانة على العبادة أم الفقر بنية التفرغ لها ؟ . قلنا : الأفضل منهما ما لا يشغل العبد عن اللّه ، فإن كان الفقر يشغله عن اللّه فالغنى أولى به ، وإن كان الغنى يشغله عن اللّه فالفقر أولى به ، وذلك لأن فضل الفقر والغنى بحسب عدم تعلق القلب بالمال وفقده ، فان تساويا فيه تساوت درجتهما إلا أن هذا مزلة الاقدام وموضع الغرور ، فان الغنى ربما يظن أنه منقطع القلب عن المال ويكون حبّه دفينا في باطنه وهو لا يشعر به ، وإنما يشعر به إذا فقده فليجرب نفسه ، وهذا حال كل الأغنياء إلا الأنبياء والأولياء ، وإذا كان ذلك محالا وبعيدا فلنطلق القول بأن الفقر أصلح لكافة الخلق وأفضل ، لأنّ علاقة الفقير وانسه بالدنيا أضعف غالبا وبقدر ضعف علاقته يتضاعف ثواب تسبيحاته وعبادته ، فان حركات اللسان والأبدان ليست مرادة لأعيانها بل ليتأكد بها الانس بالمذكور ولا يكون تأثيره في آثار الانس في قلب فارغ من غير المذكور كتاثيره في قلب مشغول ، ولهذا ورد في فضل الفقراء على الأغنياء على الاطلاق ما ورد ، ثمّ ليس معنى الفقر أن لا يملك شيئا البتة . قال الصادق ( ع ) في كلام له مع الصّوفية : « ثم علم اللّه نبيّه كيف ينفق وذلك أنه كانت عنده ( ص ) أوقية من الذهب فكره أن يبيت عنده فتصدّق بها فأصبح وليس عنده شيء ، وجاءه من يسأله فلم يكن عنده ما يعطيه فلامه السّائل واغتمّ هو حيث لم يكن عنده ما يعطيه وكان رحيما رفيقا ( ص ) فأدّب اللّه نبيّه بأمره فقال :
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً
« 2 » يقول : إن الناس قد يسألونك ولا يعذرونك فإذا أعطيت جميع ما عندك من المال كنت قد حسرت من المال قال : ثمّ من علمتم بعده في فضله وزهده سلمان
هامش
( 1 ) احياء علوم الدين : ج 3 ص 247 . ( 2 ) سورة الإسراء : آية 29 .