وتحقيق القول فيه أن المال قد يكون وسيلة إلى مقصود صحيح ، وقد يكون وسيلة إلى مقاصد فاسدة ، وهي المقاصد الصّادة عن سعادة الأبد ويسد سبيل العلم والعمل ، فهو إذن محمود ومذموم ، محمود بالإضافة إلى المقصود المحمود ، ومذموم بالإضافة إلى المقصود المذموم ، ولما كانت الطباع مائلة إلى اتباع الشهوات القاطعة لسبيل اللّه وكان اللّه مسهلا لها وآلة إليها عظم الخطر فيما يزيد على قدر الكفاية ؛ فاستعاذ الأنبياء من شره حتّى قال نبينا ( ص ) : « اللهمّ اجعل قوت آل محمد كفافا ، فلم يطلب من الدّنيا ما لم يتمحض خيره » « 1 » ، فقال : « اللهم احيني مسكينا وأمتني مسكينا » « 2 » .
الفصل الثاني فوائد المال وآفاته
اعلم أنّ مثل المال مثل حيّة فيها سمّ وترياق ، ففوائدها ترياقها وغوائلها سمومها فمن عرف غوائلها وفوائدها أمكنه أن يتحرز من شرّها ويستدرّ منها خيرها .
واما الفوائد فهي تنقسم إلى دنيوية ودينيّة ، أما الدّنيوية فلا حاجة إلى ذكرها فان معرفتها مشتركة بين أصناف الخلق ، ولولا ذلك لم يتهالكوا على طلبها ، وأما الدينية فهي ثلاثة أنواع :
الّاول أن ينفقه على نفسه إما في عبادة أو في استعانة على عبادة والثاني ما يصرف إلى النّاس وهي أربعة أقسام : الصّدقة ، والمروة ، ووقاية العرض ، واجرة الاستخدام أما الصدقة فلا يخفى ثوابها وانها لتطفي غضب الرّب وأما المروة فنعني بها صرف المال إلى الأغنياء والأشراف في ضيافة وهدية وإعانة وما يجري مجراه ممّا يكتسب به العبد الاخوان والأصدقاء ويكتسب به صفة السّخاء ، فانّه لا يوصف بالجود إلا من يصطنع المعروف ويسلك سبيل الفتوة والمروّة ، وهذا أيضا مما يعظم الثواب فيه فقد وردت أخبار كثيرة في الهداية والضّيافات وإطعام الطعام من غير اشتراط الفقر والفاقة في مصارفها .
وأما وقاية العرض فنعني بها بذل المال لدفع هجو الشعراء وثلب « 3 » السفهاء وقطع ألسنتهم ودفع شرهم وهذا أيضا مع تنجز فائدته في العاجلة من الحظوظ الدّينية قال رسول اللّه
هامش
( 1 ) تتنبيه الخواطر : ج 1 ص 159 واحياء علوم الدين ج 3 ص 221
( 2 ) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 159 واحياء علوم الدين ج 3 ص 221
( 3 ) ثلبه ثلبا : أعابه ونقصه . م .