كلّ زينة فقال لها : كم تزوّجت ؟ قالت : لا أحصيهم قال : فكلّهم مات عنك أو كلّهم طلقك ؟
قالت : بل كلّهم قتلتهم فقال عيسى ( ع ) : بؤسا لأزواجك الباقين كيف لا يعتبرون بالماضين كيف تهلكينهم واحدا واحدا ولا يكونون منك على حذر » « 1 » وقال عيسى ( ع ) : « الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها » « 2 » .
وقال بعض الحكماء : ما أشبه حال الانسان واغتراره بالدّنيا وغفلته عن الموت وما بعده من الأهوال وانهماكه في اللذات الفانية العاجلة الممتزجة بالكدورات بشخص مدلى في بئر مشدود وسطه بحبل وفي أسفل ذلك البئر ثعبان عظيم متوجه منتظر سقوطه فاتح فاه لالتقامه ، وفي أعلى ذلك البئر جرذان أبيض وأسود لا يزال يقرضان ذلك الحبل شيئا فشيئا ولا يفتران عن قرضه آنا من الانات ، وذلك الشخص مع أنه يرى ذلك الثعبان ويشاهد انقراض الحبل آنا فآنا قد أقبل على قليل عسل قد تلطخ به جدار ذلك البئر وامتزج بترابه واجتمع عليه زنابير كثيرة وهو مشغول بلطعه منهمك فيه ملتذّ بما أصاب منه مخاصم لتلك الزّنابير عليه ، قد صرف باله بأجمعه إلى ذلك غير ملتفت إلى ما فوقه وإلى ما تحته .
فالبئر هو الدنيا ، والحبل هو العمر ، والثعبان الفاتح فاه هو الموت ، والجرذان الليل والنهار القارضان للأعمار ، والعسل المختلطة بالتراب هو لذات الدّنيا الممتزجة بالكدورات والآلام ، والزّنابير هم أبناء الدّنيا المتزاحمون عليها ، وما أشد انطباق هذا المثال على الممثل له فنسأل اللّه الهداية والبصيرة ، ونعوذ به من الغفلة والغواية .
الباب الثالث في ذم حب المال
في ذم حبّ المال اعلم أن فتن الدّنيا كثيرة الشعب والأطراف واسعة الارجاء والأكناف ولكن الأموال أعظم فتنها وأطمّ محنها وأعظم فتنة فيها انه لا غنى عنها ثمّ إذا وجدت فلا سلامة منها وإن فقد حصل منه الفقر الذي كاد أن يكون كفرا ، وإن وجد حصل منه الطغيان الذي لا تكون عاقبة أمره إلا خسرا .
وبالجملة فهي لا تخلو من الفوايد والآفات ، وفوايدها من المنجيات ، وآفاتها من المهلكات وتمييز خيرها من شرها من المعوصات التي لا يقوى عليها إلا ذوو البصاير في الدين
هامش
( 1 ) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 146
( 2 ) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 147