وروي ورفع عقله عن أهل الدّنيا ، فبدنه مع أهل الدّنيا وقلبه وعقله معاين الآخرة فأطفأ بضوء قلبه ما أبصرت عيناه من حبّ الدنيا فقذّر حرامها وجانب شبهاتها ، وأضر واللّه بالحلال الصّافي إلا ما لا بد له منه من كسرة يشدّ بها صلبه ، وثوب يواري عورته من أغلظ ما يجد وأخشنه ، ولم يكن له فيما لا بد منه ثقة ولا رجاء فوقعت ثقته ورجاؤه على خالق الأشياء ، فجدّ واجتهد وأهب بدنه حتى بدت الأضلاع وغارت العينان ، فابدل اللّه له من ذلك قوة في بدنه وشدة في عقله وما ذخر له في الآخرة أكثر .
فارفض الدّنيا فان حبّ الدنيا يعمي ويصمّ ويبكم ويذلّ الرّقاب ، فتدارك ما بقي من عمرك ولا تقل غدا وبعد غد فإنما هلك من كان قبلك بإقامتهم على الأماني والتسويف حتى أتيهم أمر اللّه بغتة وهم غافلون ، فنقلوا على أعوادهم إلى قبورهم المظلمة الضيقة ، وقد أسلمهم الأولاد والأهلون فانقطع إلى اللّه بقلب منيب من رفض الدّنيا وعزم ليس فيه انكسار ولا انخزال « 1 » أعاننا اللّه وإياك على طاعته ووفقنا وإيّاك لمرضاته » « 2 » .
وقال أمير المؤمنين ( ع ) في صفة الدّنيا : « ما أصف من دار أولها عناء وآخرها فناء ، في حلالها حساب وفي حرامها عقاب ، من استغنى فيها فتن ومن افتقر فيها حزن ومن ساعاها فاتته ، ومن قعد عنها اتته ، ومن أبصر بها بصرته ومن أبصر إليها أعمته » « 3 » .
وعن الباقر ( ع ) قال : قال عليّ بن الحسين ( ع ) : « إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة والآخرة قد ارتحلت مقبلة ولكل واحد منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدّنيا ، ألا وكونوا من الزاهدين في الدّنيا الرّاغبين في الآخرة ألا إن الزّاهدين في الدنيا اتخذوا الأرض بساطا ، والتراب فراشا والماء طيبا وقرضوا من الدّنيا تقريضا ، ألا ومن اشتاق إلى الجنّة سلا « 4 » عن الشهوات ومن أشفق من النّار رجع عن المحرمات ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصائب .
ألا ان للّه عبادا كمن رأى أهل الجنّة في الجنّة مخلدين وأهل النار في النار معذّبين شرورهم مأمونة ، وقلوبهم محزونة أنفسهم عفيفة وحوائجهم خفيفة صبروا أياما قليلة فصاروا
هامش
( 1 ) الانخزال الانقطاع . م .
( 2 ) الكافي : ج 2 ص 136
( 3 ) نهج البلاغة ج 1 ص 106 خطبة 82
( 4 ) سلوت عنه سلوا من باب قعد صبرت عنه . م .