نوقش في الحساب عذّب فلذلك قال رسول اللّه ( ص ) : « في خ » « حلالها حساب و « في خ » حرامها عذاب » « 1 » ، « بل لو لم يكن الحساب لكان ما يفوت من الدرجات العلى في الجنة وما يرد على القلب من التحسّر على تفويتها بحظوظ حقيرة خسيسة لا بقاء لها هو أيضا عذاب وقس به حالك في الدنيا إذا نظرت إلى أقرانك وقد سبقوك بسعادات دنياوية كيف يتقطع قلبك عليها حسرات مع علمك بأنها سعادات منصرمة لا بقاء لها ، ومنغصة بكدورات لا صفاء لها ، فما حسرات مع علمك بأنها سعادات منصرمة لا بقاء لها ومنغصة بكدورات لا صفاء لها فما حالك في فوات سعادات لا يحيط الوصف بعظمتها وتتقطع الأزمان والدّهور دون غاياتها فكل من كانت معرفته أقوى وأتقن كان حذره من نعيم الدّنيا أشد .
حتّى ان عيسى على نبيّنا وعليه السّلام وضع رأسه على حجر لما نام ثمّ رمى به ، إذ تمثل له إبليس وقال : رغبت في الدنيا .
وحتى أن سليمان على نبيّنا و ( ع ) في ملكه كان يطعم الناس من لذايذ الأطعمة وهو يأكل خبز الشعير فجعل الملك على نفسه بهذا الطريق امتحانا وشدّة ، فان الصبر عن لذيذ الأطعمة مع وجودها أشد .
ولهذا زوى اللّه تعالى الدّنيا عن نبيّنا ( ص ) فكان يطوي أياما ؛ ولهذا سلط البلاء والمحن على الأنبياء والأولياء ثمّ الأمثل فالأمثل كلّ ذلك نظرا لهم وامتنانا ليتوفر من الآخرة حظهم كما يمنع الوالد الشفيق ولده لذيذ الفواكه ويلزمه الفصد والحجامة شفقة عليه وحبّا له لا بخلا به عليه ، وقد عرفت بهذا أن كل ما ليس للّه فهو من الدنيا هو للّه ليس من الدنيا » « 2 » .
الفصل الثاني أعيان الدنيا
قد ظهر ممّا ذكرنا أن الدّنيا حظ نفسك العاجل الذي لا حاجة إليه لامر الآخرة ، ويعبّر عنه بالهوى وإليه أشار قوله تعالى :
وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى
« 3 » ومجامع الهوى خمسة أمور وهي ما جمعه اللّه عزّ وجلّ في قوله
أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ
« 4 » والأعيان التي منها تحصل هذه الأمور الخمسة سبعة يجمعها قوله تعالى :
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ
هامش
( 1 ) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 152 وإحياء علوم الدين ج 3 ص 207 .
( 2 ) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 153 - 154
( 3 ) سورة النازعات : آية 40 - 41
( 4 ) سورة الحديد : آية 20