الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ
« 1 » فهذه هي أعيان الدنيا إلا أن لها مع العبد علاقتين : علاقة مع القلب وهو حبه لها وحظه منها وانصراف همّه إليها حتى يصير قلبه كالعبد أو المحب المستهتر « 2 » ، ويدخل في هذه العلاقة جميع صفات القلب المتعلقة بالدنيا كالكبر والغل والحسد والرياء والسّمعة وسوء الظنّ والمداهنة وحب الثّناء وحب التكاثر والتفاخر ، فهذه هي الدنيا الباطنة .
وأمّا الظاهرة فهي الأعيان المذكورة والعلاقة الثانية مع البدن وهو اشتغاله باصلاح هذه الأعيان لتصلح لحظوظه وحظوظ غيره وهي جملة الصناعات والحرف التي الخلق مشغولون بها بحيث نسوا أنفسهم ومالهم ومنقلبهم ولو عرفوا سبب الحاجة إليها واقتصروا عليها لم يستغرقهم أشغال الدّنيا ، وإنما استغرقهم لجهلهم بالدّنيا وحكمتها وحظوظهم منها وتتابعت الاشتغال واتصل بعضها ببعض وتداعت إلى غير نهاية محدودة فتاهوا في كثرة الاشغال ونسوا مقصودها ، وكل ما ورد في ذم الدّنيا يرجع إلى هذا .
الباب الثاني فيما ورد في ذم الدنيا
فيما ورد في ذم الدّنيا اعلم أن الدّنيا عدوّة للّه وعدوّة لأولياء اللّه وعدوّة لأعداء اللّه .
أمّا عداوتها للّه فإنها قطعت الطريق على عباد اللّه ولذلك لم ينظر اللّه إليها مذ خلقها .
وأما عداوتها لأولياء اللّه فإنها تزيّنت لهم بزينتها وغمتهم بزهرتها ونضارتها حتّى تجرعوا مرارة الصّبر في مقاطعتها .
وأما عداوتها لأعداء اللّه فإنها استدرجتهم بمكرها ومكيدتها واقتنصتهم « 3 » بشباكها حتّى وثقوا بها وعوّلوا عليها ، فخذلتهم أحوج ما كانوا إليها ، فاجتنوا منها حسرة يتقطع دونها الأكباد ثمّ حرمتهم عن السّعادة أبد الآباد ، فهم على فراقها يتحسّرون ، ومن مكائدها يستغيثون ولا يغاثون ، بل يقال لهم :
اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ
« 4 »
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : آية 14
( 2 ) يقال فلان مستهتر بالشراب أي مولع به لا يبالي ما قيل فيه .
( 3 ) قنصه أي صاده واقتنصه اصطاده .
( 4 ) سورة المؤمنون : الآية 108 .