الصور الخيالية والجليدية والماء والبلور والحديد إلى غير ذلك من الأشياء المصيقلة التي هي مظاهر للمحسوسات باعتبار استعدادها وخلوها عن الكيفيات التي هي مظاهر لوجودها ومرائي لشهودها فإن تلك المرائي الإمكانية ليست في مظهريتها صادقة من كل الوجوه وإن لم تكن كاذبة أيضا من كل الوجوه إذ ليست حيثية مرآتيتها ومظهريتها بعينها حيثية ذاتها ووجودها لتقيد وجودها وانحصار ذاتها فأنت إذا نظرت إلى خصوص ذات المرآة وكونها من حديد أو ماء أو زجاج أو غيرها التفتت إليه حجبك عن ملاحظة تلك الصورة التي فيه حينئذ مظهرا لها لتقيدها وحصرها « 116 » وإذا قطعت النظر عنه ولم تنظر إليه نظرا استقلاليا بل نظرا ارتباطيا تعلقيا فحينئذ تنظر فيه إلى الصورة المقابلة وتلك الخصوصية حكمها باق فإن لم يلتفت إليها ولأجلها لم يكن المشهود بعينه وجود ذلك المرئي في المرآة فيصير حجابا عن وجوده الحقيقي على حسب ماهية تلك الخصوصية وإن لم يكن ملحوظة فافهم .
وأما الحق تعالى فلكون ذاته ذاتا فياضة يفيض عنه صور الأشياء ومعقوليتها فكما أن ذاته مبدأ وجود الأشياء عنه فكذلك شهود ذاته مبدأ شهود ذوات الأشياء فذاته مظهر تظهر به الأشياء كما هي لا بغيره من المظاهر والمرائي وكما أن شهود ذاته لا يتصور إلا بذاته بل ذاته وشهود ذاته شيء واحد بلا اختلاف حيثيتين وهما العلتان لوجود الخلق وشهودهم فكذا شهود الخلق لا يتصور إلا بوجود بل هما أمر واحد إذ العلتان واحدة بلا مغايرة فالمعلومان واحد بلا اختلاف وكما أن وجودهم من توابع وجود الحق فكذا شهودهم وظهورهم من لواحق شهود الحق وظهوره فتقرر وتحقق أن ذاته تعالى من حيث ذاته مرآة لصور الأشياء الكلية والجزئية على ما هي عليها بلا شوب غلط وكذب .
وقد علم بما ذكر أنه لا يمكن معرفة نحو من أنحاء وجود الأشياء إلا من جهة المعرفة بمبدعها وخالقها إذ وجود كل شيء
هامش
( 116 ) نسخه ا : تقيده وحصره