يا رحمة للعاشقين تحمّلوا * نقل المحبّة والهوى فضّاح
المنزل الرابع : منزل المعرفة ؛ وهي النهاية ، فإذا وصله السالك ، ونزل فيه ؛ دعاه لسانه إلى الغنى والمحو ، والثبات والصحو ؛ يعني : إن المنتهي إذا وصل إلى مقام النهاية ؛ تحقّق بمقام الجمع الذي هو الفناء والمحو ، وبمقام الفرق الذي هو الثبات والصحو ؛ وهو مقام البقاء ، فلا جمعه يحجبه عن فرقه ، ولا فرقه يحجبه عن جمعه .
كما قال بعض العارفين :
له لدى الجمع فرق يستضيء به * كالفرق في جمعه ما زال يلقيه
وقال أخر :
رقّ الزّجاج وراقت الخمر * فنشأ بها فتنشأ كلّ الأمر
فكأنّما خمر لا قدح * وكأنّما قدح ولا خمر
فإذا تكلّم في الجمع ؛ فكأنما لا يعرف الفرق ، ولا يدريه ، وإذا تلبّس بالفرق ؛ كأنه لم يعلم الجمع ، ولم يذق شيئا من معانيه ، قد جعل لا إله إلّا اللّه محمد رسول اللّه شعار ، وإيّاك نعبد وإيّاك نستعين دثاره ، وهذا هو الصراط المستقيم الذي من تشرّف به ؛ كان من الذين أنعم اللّه عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين .
فهنيئا لمن ذاق جرعة من هذا الكأس ، وما أطيب حال من شمّ رائحة من هذه الأنفاس ، فإذا وصلت يا أخي إلى هذه المراتب العليّة ؛ فلا تنس حسن مخالطة البرية .
84 - الصحبة والمروءة موافقة الإخوان فيما لا يحظره العلم عليك .
شرط الموافقة ، وحسن الصحبة دليل على الكمال ؛ إذ هي من أخلاق الرجال البالغين مقام الوصال ، كان صلى اللّه عليه وسلم يخالطهم ؛ كأنه واحد منهم يسأل عمّا يسأل عنه الناس ، ويمازح الكبير ، ويتلطّف مع الصغير ، ويعطي كل ذي حقّ حقّه ، كان إذا وصل من السفر ؛ يبادر إليه الصبيان ، فيركب واحدا أمامه ، وآخر خلفه ، وكان إذا سجد ربما ركب على ظهره الحسين رضي الله عنه وهو صغير ، فيمكث له ساعة مطمئنا لخاطره وملاطفته ، وهكذا شأن من امتلأ بالمعرفة ، يعطي كل موطن ما يقتضيه ذلك الموطن من الجمال والجلال .