ولذلك استشهد بقول سهل رضي الله عنه : لا تطلعوا الأحداث على الأسرار قبل تمكينهم .
ولذلك كان الجنيد رضي الله عنه إذ أراد أن يتكلم في الحقائق أغلق داره ، ودخل مع خواصه ، وجعل المفتاح تحت فخذه ، ثم تكلم في الحقائق ، وكل ذلك خوفا من أن يسمعه شخص من أحياء الطريق فلا يفهم المراد منها ، فيضل ويتزندق ، فإن أذواقهم فوق طور العقل لا تفهم إلّا بنور ربّانيّ ، وذوق إيمانيّ ، يقذفه اللّه في قلوب العارفين عند كمالهم ، وتصفية قلوبهم « 1 » ، فمن كان قلبه مع الأغيار وهو مقيّد بعقال العقل كيف يفهم المراد من كلامهم ؟ ! وكيف يشم رائحة من مرابهم ، فلذلك قال بعض العارفين :
يا ربّ جوهر علم لو أبوح به * لقيل لي أنت ممن يعم الوثنا
هامش
( 1 ) قال سيدي إسماعيل حقي : والحاصل : كما أن الإنسان آخر الكائنات ؛ فكذا لسان الشرع آخر الألسنة ، وفوق لسان الشريعة لسان الطريقة ، وفوقه لسان المعرفة ، وفوقه لسان الحقيقة ، ولكل مقام مقال رجال .
فقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : أبهموا ما أبهم اللّه ، وفصلوا ما فصّل اللّه .
ولم يكن أحدا من أولياء هذه الأمة مأذونا لإظهار بعض الأسرار ، إلا حضرة الشيخ الأكبر ، والمسك الأزفر ، والكبريت الأحمر ، قدّس سرّه الأطهر ، ومن عداه أمروا بالسكوت ، أو بالرموز لا غير ، وكذا فوق مرتبة الإنسان مرتبة المواليد ، ثم مرتبة العناصر ، ثم مرتبة الطبيعة الكلية ، ثم مرتبة الأرواح ، ثم مرتبة الأعيان الثابتة ، ثم مرتبة الشؤون الذاتية الغيبية ، ولا اسم ولا رسم ، ولا نعت ولا وصف فوقها .
وبعبارة أخرى : فوق مرتبة الإنسان الخاص ، وهي مرتبة الولاية ، وفوقها مرتبة الإنسان الأخص ، وهي مرتبة النبوة ، وفوقها مرتبة الإنسان الذي هو أخص الأخص ، وهي مرتبة الرسالة ، وفيما بعد المرتبة الأولى يظهر الإنسان في صورة الحق بالفعل ، فهو إذا حق خلق .
وأما في المرتبة الأولى فهو وإن كان ظاهرا في صورة الحق ، لكن بالقوة لوجود الحجاب والجهل والغفلة ، كشف اللّه من بصائرنا ذلك الحجاب آمين . وانظر : مرآة الحقائق ( ص 28 ) .