دخل شخص على معاوية فرآه قد جعل نفسه كالبعير ، يمشي على أربعة ، وفي فمه حبل يقوده صغير له ، فقال له ذلك الشخص : أتفعل هذا وأنت أمير المؤمنين ؟
فقال له : اسكت يا لكع ، أما سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « من له صبيّ فليتصاب له » « 1 » .
فانظر يا أخي إلى هذا المنزل العظيم من هذا الرجل العظيم الكامل الذي هو خليفة المسلمين ، وكاتب وحي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، تعلم من هنا معنى قولهم : العارف كائن بائن ؛ كائن بظاهره مع الخلق كأنه واحد منهم ، وهو مع ذلك بائن بقلبه عنهم ، ليس في قلبه سوى مولاه ، ولا يركن إلى أحد سواه ، باطنه متحقّق بمعنى : لا إله إلّا اللّه ، وظاهره يتخلّق بما تخلّق به محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .
كما قيل :
ومن داخل كن صاحيا * ومن خارج خالط كبعض
وهذا كله فيما لا يمنعه العلم ، فإن كان كذلك ؛ كان أبعد الناس عنه ، إذ امتثال الأوامر ، واجتناب النواهي قطب دائرة السالك ، ومدار مركز الموحّدين يخلون بثمة من ذلك ، ولا يفرّطون في ذرّة مما هنالك .
فإذا أردت أيّها الأخ أن تتشرّف بهذه الأخلاق المحمّدية ؛ املأ قلبك بذكر اللّه ، واجعله القوت تصل إلى هذه الخصال المرضية .
85 - قوت العارف بمعروفه ، وقوت الغني بمعتاده ومألوفه .
العارف : هو الذي لا يتغذّى قلبه إلّا بذكر اللّه ، وليس لسرّه وروحه قوت سواه .
سئل سهل رضي الله عنه : ما القوت ؟
فقال : ذكر الحيّ الذي لا يموت ، فكما أن للجسد قوتا لا بدّ منه في قوامه ، كذلك لا بدّ للقلب من قوت يكون سببا لحياته ودوامه .
هامش
( 1 ) ذكره المناوي في فيض القدير ( 6 / 209 ) ، والحسيني في البيان والتعريف ( 2 / 228 ) .