تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الحكم الغوثية — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
فقوت الأجساد : هو قوت الغبي من المعتاد والمألوف . وقوت القلب : هو قوت العارف من ذكر الحي المعروف . وكما أن الجسد إذا فقد غذاءه مات ، كذلك القلب إذا فقد ذكر مولاه انعدم وفات . وصل بعض الفقراء إلى زيارة بعض المشايخ ، فلمّا انتهى إلى طرف تلك البلدة التي فيها ذلك الشيخ ، سمع بعض الحيوانات تتحدّث مع بعضها ، وتذكر أن الشيخ مات بالأمس ، وكان ذلك الفقير يفهم لغة الحيوانات ، ويعلم صدقها ، فتأسّف على عدم الاجتماع به قبل موته ، فلمّا دخل البلد رأى ذلك الشيخ حيّا فاستغرب الحال ، فسأل ذلك الشيخ عن حقيقة الحال ، وأخبره بما سمع فقال : لقد صدق ذلك الحيوان فيما أخبرك به ، فإني كنت بالأمس في غفلة ؛ وهي موت عند أهل البصيرة ؛ ولكن لا يفهم يا أخي مثل هذا الموت إلّا أهل السريرة . ، فاجتهد أيّها الأخ في تصفية القلب من الأكدار حتى يتغذّى قلبك بمثل هذا الغذاء . وتصير من أهل المنادمة والأسرار .

86 - سئل رضي الله عنه عن نهجهم عن صحبة الأحداث فقال : هو المستقبل للأمر المبتدئ في الطريق ، الذي لم يجرب الأمور ، ولم يثبت له فيها قدم ، وإن كان ابن سبعين سنة .

قال سهل رضي الله عنه : لا تطلعوا الأحداث على الأسرار قبل تمكينهم ، وأما أهل العلل والنفوس الدنية فهم أخس من أن يذكروا بأمر أو نهي ، وقيل : الإشارة بالأحداث إلى ما سوى اللّه من المحدثات . الحاصل أن الشيخ رضي الله عنه فسّر الأحداث المنهي عن صحبتهم بالمبتدئين في الطريق الذين لم يصلوا إلى حد التمكين ، ولم ينفتح لهم باب قلبهم ، ولم تنكشف لهم الحقائق ، ولم يصلوا إلى لب الرقائق ، بل هم في بداية المجاهدات من الأعمال ، فهؤلاء لا تليق بهم المصاحبة الذوقية ، ولا ينبغي المحاورة معهم في الأسرار الإلهية ، وإن كان الواحد منهم ابن سبعين سنة ؛ إذ الكبر هنا يعظم معارف الجنان لا بطون العمر وكثرة الزمان .