والصحو شرع يبيّن منازل السالكين السائرين من البداية إلى النهاية :
فأول منزل : ينزله السالك : منزل الورع ؛ وهو ترك الشبهات من سائر الآفات ، وهو الأساس لسائر العبادات ؛ إذ من لم يطب مطعمه ؛ لا يتم له في جهاده مغنمه .
قال إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه : اطلب مطعمك ، وما عليك ألّا تقوم بالليل ، وتصوم النهار ، وما ينفع الصيام والقيام والمأكل من الحرام ، كما قال صلى اللّه عليه وسلم :
« مطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وغذي بالحرام ، فأنّى يستجاب له ، ومثل الذي يأكل الحرام ، ويعبد ؛ كمثل الذي يبني على الماء » « 1 » ؛ فلذلك كانت القناعة في هذا الباب رأس الغنى .
كما قال بعضهم :
عزيز النّفس من لزم القناعة * ولم يكشف لمخلوق قناعه
أفادته القناعة كلّ عزّ * وهل عزّ أعزّ من القناعة
فصيّرها لنفسك رأس مال * وصيّر بعدها التّقوى بضاعة
فلا يتمّ الورع إلّا لمن لزم القناعة ، ولا يتمّ المتجر الرابح إلّا لمن صيّرها بضاعة .
وما أحسن ما قال بعضهم :
العبد حران قنع * والحرّ عبد إن قنع
فأقنع ولا تقنع فما * شيء يشين سوى الطّمع
المنزل الثاني : منزل التعبّد ، فإذا أتقن السالك مقام الورع ، وجاوزه ؛ وصل إلى منزل التعبّد ، ودوام الاجتهاد ، وبذل الهمّة في الخدمة ؛ يسقى كابن الوداد ، فإن اللّه ما خلق الجن والإنس إلّا ليعبدوه ، وما وصل العارفون إلى ما وصلوا إلّا بحسن ما عاملوه .
هامش
( 1 ) رواه مسلم ( 2 / 703 ) ، وأبو نعيم في المسند المستخرج ( 3 / 91 ) ، والبغوي في مسند ابن أبي الجعد ( 1 / 296 ) .