فعليك أيّها الأخ الموفّق بإجابة هذا اللسان بجميع جوارحك ، وبسويد الجنات ؛ تحسن مقام الوراثة ، ومقام العبودية ، وتشرق عليك شموس أوصاف الربوبية بالخلافة المحمّدية ، وتعجز الألسن حينئذ عن وصف بعض ما فيك من الرتب العليّة .
المنزل الثالث : منزل المحبّة ، فإذا وصله السالك ، ونزل فيه ؛ دعاه لسانه إلى الذوبان والهيمان ، وترك المعارف والإخوان ، وهجران تلك المنازل والربوع ، وسكب العبرات ، وفيض تلك الدموع ، وينشد بذلك اللسان ، ويترنّم ترنّم الهائم الولهان .
قال الغزالي :
تركت هوى سعدي وليلي بمعزل * وعدت إلى مصحوب أول منزل
ونادتني الأشواق مهلا فهذه * منازل من تهوى رويدك فانزل
وما أحسن ما قال ذو النون رضي الله عنه في وصف المشتاقين إلى تلك المنازل : سقاهم من صرف المودة شربة فماتت شهواتهم في القلوب من خوف عوائق الذنوب ، وذهلت أنفسهم عن المطاعم من حذر فوق المناعم في دار يستطاب فيها المكارم من قد تحلّوا الأبدان بالجوع ، والإخوان وصفوا القلوب من كل كدر ، فهي متعلّقة بمواصلة المحبوب .
فيا حسن غرابين الأشجار في رياض الكتمان ، وقد تمّت في صحف بروح القلوب ، قدّمتموه من ماء المنى ، فالإخوان تهيجهم ، والشوق يقلقهم شوق أضر بمهجة المشتاق ، وجرت سوابق غيرة الاشتياق ، لعبت به العبرات في وجناته ، وكذا قد لعبت به الأشواق .
فأجب أيّها الأخ الشقيق هذا اللسان باختراق الفؤاد ، وتمزّق الجنان ، وصرف نفائس الأوقات ، وبذل المهجة ، وغيّها من أبخس الأثمان ، وقل بلسان وجدك والاشتياق مظهرا ثمة ما يظهره العشّاق :
أبدا تحنّ إليكم الأرواح * ووصالكم ريحانها والرّاح
وقلوب أهل ودادكم تشتاقكم * وإلى كمال جمالكم ترتاح