تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الحكم الغوثية — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
هامش
قال سيدي علي أفندي قدّس اللّه سرّه من مشايخ طريقتنا الخلوتية في رسالته التي ألّفها في الدوران في الذكر ما معناه : فالصوفي بعد الذكر الجهري يصل إلى مقام فيه ينسي ما سواه ، فيحضر له سلطان القهر من حضرة اسمه تعالى القهّار ، فيفقد نفسه فلا يبقى مشهود له إلا هو ، بحسب ما يتجلّى له ، فلا يرى وجود شيء من المحسوسات والمعقولات والجزيئات والكليات ، ويقال لذلك المقام الغيبة والحضور : أي الغيبة عن غير اللّه تعالى والحضور معه ، فكيف يذكر الغائب عن وجوده بشهوده باللسان ؟ ! . هذا لا يكون ؛ لأن اللسان فان ، فهذا ذكر خفيّ ممدوح عند اللّه وعند الناس ، لا يعرفه ملك ولا مخلوق ، ولا يعرفه إلا اللّه تعالى والخليفة الأعظم المحمول ، والحامل الإنسان الكامل ، وهو نتيجة الذكر الجهري اللساني ، فأوّل ما يكون الذكر باللسان ؛ لأنه طريق الذكر الشهودي ، فإذا حصل استغنى به كالاستغناء بالمدلول إذا حصل عن الدليل ، ولا ينبغي ترك الذكر اللساني جملة لأجل تنوير الجوارح الظاهرة ، ولإقامة العدل ، وإعطاء كل ذي حق حقه ، سيّما إن كان الذاكر ممن يقتدى به ولو في بعض الأحيان ، فإن المشاهد إذا ذكر اللّه ، ذكر من خلف حجاب العزة ، الذي لا يرتفع دنيا ولا أخرى ، وعلامة تمكّن الذكر أن يجري على اللسان في حالة الغفلة من غير قصد . وللذكر خصائص كثيرة ونتائج كبيرة منها : أنه منشور الولاية ، وقوة أرواح أهل الهداية ، والنار المحرقة للأغيار والمذهبة للآثار ، وهو مطردة للشيطان ، ومرضاة للرحمن ، يذهب الترح ، ويجلب الفرح ، يبهج القلب ، ويجلوا الوجه ، وينوره ، ويسهّل الرزق وييسره ، ويكسو المهابة ، ويدني الإصابة ، ويورّث المراقبة ، ويرفع الحجب عن المحجوب ، وينفي الحسرة والندامة في يوم القيامة ، وهو سبب للعتق من النيران والأمان ، وذكر الرحمن ، ويعدل عتق الرقاب ، ويوجب الاقتراب من رب الأرباب ، ويرجّح على سائر الأعمال ، ويقوي الجوارح ، ويحفظ الأثقال ، وهو يذهب بالأجزاء النابتة من تناول الشبهات أو الحرام ، ولا وقت له ، ولم يرد النص إلا بالإكثار منه وصاحبه جليس السلام ، وله من اللّذات ما يفوق على المطعومات والمشروبات ، ووجه الذاكر وقلبه يكسى في الدنيا نضرة وسرورا ، وفي الآخرة وجهه أشد بياضا من القمر ، والذاكر حي وإن مات ، وبضده الغافل فإنه من جملة الأموات ، والذاكر يورّث الري من العطش عند الموت ، والأمن عند خوف الفوت . ومن أقسامه : ذكر أحباب اللّه تعالى لما روى الديلمي عن عائشة ذكر على عبادة وعنه صلى اللّه عليه وسلم : « ذكر الأنبياء من العبادة ، وذكر الصالحين كفّارة ، وذكر الموت صدقة ، وذكر القبر يقرّبكم من الجنّة » ، رواه الديلمي عن معاذ رضي الله عنه . -
شرح الحكم الغوثية — صفحة 201 | أحمد فريد المزيدي / أحمد بن ابراهيم النقشبندي