يزال يمشي ويدور في أطراف المسجد ، فسألته عن ذلك ، فقال : اطلب جماعة إذا وقع نظرهم على الشخص يكون كالإكسير ؛ يجعل النحاس ذهبا ، فإذا كان نظرهم من بعد له هذه الخاصية ، فكيف بالنظر إليهم ومحبّتهم ؟ وكيف بالجلوس معهم ومصاحبتهم ؟ وكيف بالخدّ ذلّتهم ، والانكسار لحضرتهم ، وكلها درجات ومراتب
هامش
- المحتوية على حياة القلوب ، وشفائها من السقم ، وعقيدته معروفة مشهورة موصوفة مشكورة ، وكان إذا أشكل عليه شيء من أمرها منها ، يرجع فيه إلى اللّه تعالى ويستخيره حول بيته ويتضرع إليه في التوفيق لإصابة الحق والتحقيق ، وكان فقيها شافعي المذهب ، كثير الاجتهاد في العبادة والرياضة .
تخرج عليه خلق كثير من الصوفية في المجاهدة والخلوة ، ولم يكن في آخر عمره مثله .
صحب عمه الشيخ الإمام أبا النجيب ، وعنه أخذ التصوف والوعظ .
وصحب أيضا قطب الأولياء وقدوة الأصفياء الشيخ عبد القادر الجليلي ، ثم انحدر إلى البصرة إلى الشيخ أبي محمد بن عبد ، ورأى غيره من المشهورين ، وكان شيخ الشيوخ ببغداد ، وكان له مجلس وعظ عليه قبول وله نفس مبارك .
قال ابن خلكان رحمه اللّه : ورأيت جماعة ممن حضروا مجلسه وقعدوا في خلوته فكانوا يحكون غرائب مما يطرأ عليهم فيها من الأحوال الخارقة .
وكان كثير الحج ، وكان أرباب الطريق من مشايخ عصره يكتبون إليه من البلاد صور فتاوى يسألونه عن شيء من أحوالهم ، وسيأتي آخر الفصل إن شاء اللّه تعالى .
قال ابن نقطة : كان شيخ العراق في وقته صاحب مجاهدة وإيثار وطريقة حميدة ومروءة تامة ، وأوراد على كبر سنه .
وقال ابن النجار : كان شيخ وقته في علم الحقيقة ، وانتهت إليه الرياسة في تربية المريدين ، ودعا الخلق إلى اللّه تعالى ، قرأ الفقه والخلاف والعربية ، وسمع الحديث ، ثم انقطع ، ولازم بيته ، وداوم الصوم والذكر والعبادة إلى أن ظهر له قبول من الخاص والعام ، وعلا شأنه ، وتكلم على الناس ، وعقد مجلس الوعظ في مدرسة عمه على دجلة ، فحضر عنده خلق عظيم وظهر ، واشتهر اسمه وقصد من الأقطار ، وظهرت بركات أنفاسه في توبة العصاة ، ورأى من الجاه والحرمة عند الملوك ما لم يره أحد .
وانظر في ترجمته : طبقات الشافعية الكبرى ( 5 / 143 ) ، طبقات المفسرين للداودي ( 89 ) ، وفيات الأعيان ( 1 / 480 ) ، اللباب ( 1 / 580 ) ، البداية والنهاية ( 13 / 138 ) ، طبقات الأولياء ( 53 ) ، طبقات الشافعية للإسنوي ( 122 / 2 ) ، مرآة الجنان ( 4 / 79 ، 82 ) ، وروضة الحبور ( ص 176 ) ، بتحقيقنا .