هامش
- وقال : الذاكرون أعلى الطوائف مطلقا ، ولهذا ختم اللّه تعالى بقوله :وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ[ الأحزاب : 35 ] ، ولم يذكر بعدهم شيئا انتهى .
وذكره تعالى على أقسام : وأوّل ما يكون باللسان ، ثم بالجنان ، ثم بالأركان ، ويقع في النفس ، ثم في الروح ، ثم يكون بالعقل ، ثم بالسرّ ، ثم بالخفاء ، ثم بالإخفاء ، ثم بالمجموع ، وما عدا الذكر اللساني فبالملاحظة من غير حركة ظاهرة ، ويصدق على ما عداه أنه ذكر خفيّ ، وفي الحديث : « خير الذكر الخفيّ وخير الرزق ما يكفي » . رواه أحمد وابن حبان ، والبيهقي عن سعد .
وعنه صلى اللّه عليه وسلم « الذكر الذي لا تسمعه الحفظة يزيد على الذكر الذي تسمعه بسبعين ضعفا » .
وتمامه كما ذكره المناوي رحمه اللّه تعالى : « فإذا جمع اللّه تعالى الخلق ، وجاءت الحفظة بما كتبوا وحفظوا يقول : انظروا هل بقي من شيء ؟ فيقولون : ربنا ما تركنا شيئا إلا أحصيناه وكتبناه ، فيقول اللّه تعالى : إن لك عندي حديثا لا يعلم به أحد غيري ، وأنا أجزيك به وهو الذكر الخفي » . رواه أبو يعلى ، والبيهقي ، والديلمي وغيرهم .
وعلامة ذكر القلب سماع ذكره أحيانا بأذن الجسم ، وسماع ذكر الجمادات ؛ لأنها تذكر مع ذكر القلب .
وعلامة تحقيق صاحبه بمقام الفناء وتوحيد ، وعلامة ذكر الروح : حصول فتوح يحقق له توحيد الأفعال ويدرك معنى :وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ[ الإسراء : 44 ] .
وعلامة ذكر السر : انجذاب القلب إلى حضرة الرب انجذابا مدركا لصاحبه من طريق الذوق والوجدان ، ويحقق به توحيد الأسماء ، وعلامة الصفات ليبلغ المنى .
وعلامة ذكر الإخفاء : التحقق بالفناء عن الفناء ، وتوحيد الذات لتكمل له اللّذات .
وعلامة ذكر الجملة : التحقيق بالبقاء مع الفناء ، ببقاء البقاء بعد فناء الفناء ، والعثور على كنز معرفة الذات بعد معرفة صفات الصفات وأسماء الذات .
ولكل ذكر من هذه الأذكار عوالم تذكر مع صاحبها بأمر القهار ، فاللسان يذكر لذكره كل جماد ، والقلب الكون وما فيه ، والنفس السماوات وسكّانها ، والروح الكرسي وما حوى ، والعقل الكروبيون والطائفون وحملة العرش ، والسر العرش وعوالمه ، إلى أن يتصل الذكر بالذات المنزّهة ، ولا يظهر نتيجة الذكر إلا في القلوب الفارغة من غيره تعالى ، التي ليس لها تعلق شغل إلا به ، فالمرة الواحدة من ذلك القلب تقوم مقام الألف من غيره ، وإذا قوي ذكر القلب تضرر صاحبه من اللساني فيتركه إلا في المفروضات . -