تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الحكم الغوثية — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
هامش
- فيه أوقاته ويبذل فيه جهده ، فإن الذكر منشور الولاية ولا بد منه في البداية والنهاية ، فمن أعطي الذكر فقد أعطي المنشور ، ومن ترك الذكر فقد عزل . فبقدر ما يفنى في الاسم يفنى في الذات ، وبقدر ما يتفتّر في الفناء في الاسم يكون متفتّرا في الفناء في الذات ، فليلتزم المريد الذكر على كل حال ولا يترك الذكر باللسان لعدم حضور قلبه فيه ، بل يذكره بلسانه ، ولو كان غافلا بقلبه ، فإن غفلتك عن وجود ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره ، لأن غفلتك عن ذكره إعراض عنه بالكلية ، وفي وجود ذكره إقبال بوجه ما ، وفي شغل اللسان بذكر اللّه تزيين جارحة بطاعة اللّه ، وفي فقده تعرض لاشتغالها بالمعصية . قيل لبعضهم : ما لنا نذكر اللّه باللسان والقلب غافل ؟ فقال : اشكر اللّه على ما وفق من ذكر اللسان ، ولو أشغله بالغيبة ما كنت تفعل فليلزم الإنسان ذكر اللسان حتى يفتح اللّه في ذكر الجنان ، فعسى أن ينقلك الحق تعالى من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة ، أي انتباه لمعاني الذكر عند الاشتغال به ، ومن ذكر مع يقظة إلى ذكر مع وجود حضور المذكور وارتسامه في الخيال حتى يطمئن القلب بذكر اللّه ، ويكون حاضرا بقلبه ، مع دوام ذكره وهذا هو ذكر الخواص ، والأول ذكر العوام ، فإن دمت على ذكر الحضور رفعك إلى ذكر مع الغيبة عما سوى المذكور ، لما يغمر قلبك من النور ، وربما يعظم قرب نور المذكور فيغرق في النور حتى يغيب عما سوى المذكور ، حتى يصير الذاكر مذكورا والطالب مطلوبا ، والواصل موصولا ،وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ[ فاطر : 17 ] ، أي بممتنع فقد يرفع في أعلى الدرجات من كان في أسفل الدركات ، وها هنا يسكت اللسان ، وينتقل الذكر للجنان فيصير ذكر اللسان غفلة في حق أهل هذا المقام . وقال الواسطي مشيرا إلى هذا المقام : الذاكرون في ذكره أكثر غفلة من الناسين لذكره لأن ذكره سواه انتهى . يعني أن الذاكرين اللّه بالقلوب هم في حال ذكرهم للّه بلسانهم أكثر غفلة من التاركين لذكره لأن ذكره باللسان وتكلفه يقتضي وجود النفس ، وهو شرك والشرك أقبح من الغفلة ، وهذا معنى قوله : لأن ذكره سواه أي لأن ذكر اللسان يقتضي استقلال الذاكر والفرض أن الذاكر محو في مقام العيان . قال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه : حقيقة الذكر الانقطاع عن الذكر إلى المذكور ، وعن كل شيء سواه لقوله :وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا[ المزمل : 8 ] . وقال القشيري رضي الله عنه : الذكر اندراج الذاكر في مذكوره واستظلام السر عند ظهوره . وفي هذا المقام يتحقق المريد بعبادة الفكرة أو النظرة ، وفكرة ساعة خير من عبادة سبعين سنة . -