فأصلح أيّها السالك عامة رعيتك وخاصتها ؛ تذهب عنك ولاة الجور ودجاجلتها ، وتصير خلافتك خلافة محمّدية ، ولذاتك لذات سرمدية ، واستعن في تشييد أركان هذه الخلافة بصحبة أربابها ، واحذر من المبتدعة وصحبتهم ؛ فإنهم من أشدّ الراغبين في قطع أسبابها .
79 - احذر صحبة المبتدعة ؛ إبقاء « 1 » على دينك ، واحذر صحبة النساء ؛ إبقاء على قلبك .
الصحبة : شديدة التأثير ، فكلّ من صحبته ظهرت فيك صفاته ، وكل من جالسته جذبك إلى ما عنده ، ودعتك إلى ذلك كلماته .
ورد أنه صلى اللّه عليه وسلم كان يصلّي بسورة الروم ، فالتبس عليه آية منها ، فأقبل الصحابة فقال : « من هذا الذي لا يحسن وضوءه ، فيلبس علينا قراءتنا ؟ » « 2 » .
فتأمّل يا أخي هذا الحديث بقلبك ، واقبله على تأمّله بفهمك ولبّك ، إذا كان صلى اللّه عليه وسلم بذلك الكمال يؤثّر فيه ، ويدخله في التباس القراءة من لا يحسن وضوءه ، فكيف بأمثالنا من أهل النقصان إذا صاحب أهل القطيعة من المبتدعة وأهل الخذلان ؟ .
كيف لا تلبيس عليه جميع طاعاته ؟ .
وكيف لا تغشاه من صحبة كل منهم كشف ظلماته ؟ .
وكذلك النساء إذا صحبتهنّ صحبة زائدة على الحاجة وأقبلت عليهنّ بقلبك ، وملكتهنّ شعبة وفجاجة .
فإن رأس مالك أيّها السالك قلبك ، فإذا ملّكته غيرك حضرت وغضب عليك ربك ، فلا تجعل قلبك يا أخي إلّا محلّا لتنزّل فيوضه وأنواره ، ولا تشرك في ذلك ؛ يشرق عليك قمر ليله وشمس نهاره ، فكما لا يحب العمل المشترك ، لا يقبل عليه ، ولا تصحب إلّا مستقيم الحال ، قائما على الكتاب والسنة ، قد هذّبته الرجال ، يدلّك على العارف أقواله ، ويجذبك إلى سفينة النجاة سيرته وأحواله ، يأمر بالخير ويأتيه ، وينهي عن الشر ، ويبعد عن مساوئه .
هامش
( 1 ) في نسخة ( اتقاء ) .
( 2 ) رواه أحمد في مسنده ( 3 / 471 ) ، وابن أبي شيبة في المنصف ( 3 / 25 ) .