فعليك يا أخي إن ظفرت بهذا الصاحب ، وعض على صحبته بالنواجذ ، وباين الكل ، وجانب واعتكف ليلك ونهارك بناديه ، واخلص له الوداد ، وعاد من يعاديه ، وعمّر جوارحك وقلبك بشهود كماله ، وإيّاك وسوء الظن فيه ، فتحرم من فيضه وفعاله .
80 - من ظهر له نقص من شيخه ؛ لم ينتفع به .
لما حذّرك أيّها السالك من صحبة الأشرار ، وأشار إليك بأن ضررها أعظم من لهب النار ؛ حيث كان فيها إذهاب الدين ، وأي نسبة بين لهيبه ولهيب النار عند العارفين شرع بمكّنك من صحبة الأخيار ، فإن بهم تقطع الفياض والقفار ، فإذا صحبت الواحد منهم ، وسطع في قلبك شمس نهاره ؛ فعليك بلزوم الأدب معه ، تعمّر قلبك بعظيم أسراره ، واشتهر فيه حينئذ الاستقامة والكمال ، وأول ما اشتبه عليك من أحواله ، وحسن العقيدة فيه على كل حال ، فإن الأمر دائر بين نسبة القصور إليه ، ونسبة القصور إلى فهمك ، ومعرفة ما لديه ، والثاني بك أولى وأليق .
فأخرج عن الجهل ، واعترف بالحق ، فإن ظفرت بهذا الشيخ ، وتمّت لك معه الآداب ، وانتفعت بحالته ؛ آن لك أن تدخل ، وتأخذ عنه ، وتستفيد اللباب .
81 - الذّكر شهود المذكور ، ودوام الحضور ، من لم يغفل عن ذكرك ؛ فلا تغفل عن ذكره ، ومن لم يغفل عن برك ؛ فلا تغفل عن شكره .
شرع يبيّن لك أيّها السالك معنى الذكر ، ويحضّك عليه ، ويذكر لك بعض فوائده ، والسبب الداعي لإقبالك عليه .
والحاصل : إن الذكر باللسان ونهايته شهود المذكور بالدخول في مقام الإحسان ، ولّما كان الشيخ رضي الله عنه من أهل الكمال ؛ ذكر ما هو منتهى ذكر الذاكرين من أهل الوصول ، وبينهما ذكر القلب والروح ، وشبّهوا هذه المراتب بقشر اللوزة ، وقشر قشرها ، ولبّها ولبّ لبّها .
فذكر اللسان كقشر القشرة ، وذكر القلب كالقشر الثاني ، وذكر الروح كاللّبّ ، وذكر السوء الذي ذكره الشيخ كلبّ اللّبّ ، وهو الذهن الذي للب اللوز .
وقد أشار إلى هذه المراتب صاحب الحكم العطائية بكلام موجز رائق حيث