وأما السالك المجذوب فهو الذي سلك الطريق أولا حتى وصل إلى مقام الفظ والموت ، فانكشفت له الحجب حينئذ ، وصار من أهل المشاهدات ، فعاين بعين بصيرته آخر ما عاينه ذاك أولا ، ولكلّ وجهته مشرب ، وكلّ عند مولاه بقرب ، فإن أردت أيّها الأخ ثمة من هذه المواهب ، فعليك بالانكسار ، فإنه الترياق المجرّب لنيل تلك المطالب .
74 - انكسار العاصي خير من صولة المطيع .
كان الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه يدخل عليه العابد الزاهد ، فلا يحتفل به ، ولا يقبل عليه ، ويدخل عليه العاصي المخلّط فيقبل ، ويظهر له البشاشة ، فسئل عن ذلك ، فقال :
أعامل الأول بالإعراض لما أشاهد عنه من العجب والافتخار بعبادته .
وأعامل الثاني بالإقبال لما أشاهد فيه من الذلّة والانكسار .
فجعل انكسار العاصي لإقباله ، وصولة المطيع وافتخاره سببا لإعراضه ، وبعده عن نواله .
ويدلّ على ذلك ما ورد في الحكاية المشهورة عن بني إسرائيل : إنه اجتمع عابد وعاصي في موضع ، فتقرّب العاصي من ذلك الطائع ، وقال في نفسه : لعلّ اللّه يرحمني بقربه ، فبعد عنه ذلك العابد عجبا بنفسه واستكمالا لها واستنكافا من قرب ذلك العاصي منه ، فأوحى اللّه إلى نبي ذلك الوقت أن قال : يستأنفان العمل ، فالعابد حبطت أعماله في جميع عمره بالتكبّر والعجب في تلك الساعة ، والعاصي غفرت له ذنوبه كلها بانكساره في تلك الساعة .
فانظر يا أخي كيف حبطت أعمال العمر الطويل بتكبّر ساعة ؟ وكيف غفرت الذنوب الكثيرة بانكسار ساعة ؟ « 1 » .
هامش
( 1 ) قال الشيخ الأكبر في حكمه : ( ولا تخف مما أنت مقهور فيه ولو كان معصية ) أي : لا ينبغي لك الخوف من كلّ شيء أنت مقهور في ذلك الشيء ولو كان ذلك الشيء معصية لعدم قصدك فيه وكونك مقهورا ، والمقهور لا يسأل عما يقهر عليه ، ومن هنا قيل : قضى عليك ربك بالذنب فكان سببا للوصول لك كما ورد في الحديث : « ربّ ذنب أدخل صاحبه الجنة » ، وهو الذنب الذي صدر منه حالة كونه مقهورا فيه ، وقيل : معصية أورثت ذلا وافتقارا خير من طاعة أورثت عزّا واستكبارا ، وذلك ؛ لأن الطاعة وإن كانت في ذاتها خيرا والمعصية في ذاتها شرا ، لكن قد يصير بالعوارض الخير شرّا والشر خيرا مثلا الذنب شرّ -