هامش
. ولد سنة سبعين وأربعمائة ، وتوفي سنة إحدى وستين وخمسمائة ، وله من العمر إحدى وتسعون سنة .
وحكي عن أمه رضي اللّه عنها ، وكان لها قدم في الطريق أنها قالت : لما وضعت ولدي عبد القادر كان لا يرضى يلقم ثديي في نهار رمضان ، ولقد عمّ على الناس هلال رمضان فأتوني وسألوني عنه ، فقلت لهم : إن ولدي لم يلقم اليوم ثديا ، ثم اتّضح أن ذلك اليوم كان من رمضان ، واشتهر ببلدنا في ذلك الوقت أنه ولد للأشراف ولد لا يرضع في نهار رمضان .
وكان رضي الله عنه يلبس لباس العلماء ، ويتطيلس ويركب البغلة ، وترفع الغاشية بين يديه ، ويتكلم على كرسي عال ، وربما خطى في الهوى خطوات على رؤوس الأشهاد الناس ، ثم يرجع إلى الكرسي .
وكان يقول : بقيت أياما لم أستطعم فيها بطعام ، فلقيني إنسان فأعطاني جرة فيها دراهم ، فأخذت منها خبزا سميدا وخبيصا ، فجلست آكل فإذا برقعة فيها مكتوب : قال اللّه تعالى في بعض كتبه السالفة : ( إنما جعلت الشهوات لضعفاء خلقي ؛ ليستعينوا بها على الطاعات ، أما الأقوياء فما لهم والشهوات ) فتركت الأكل وانصرفت .
وقال له رجل مرة : كيف الخلاص من العجب ؟ فقال : من رأى الأشياء من اللّه تعالى وهو الذي وفّقه لعمل الخير ، وأخرج نفسه من البين ، فقد سلم من العجب .
وقيل له مرة : ما لنا نرى الذباب تقع على ثيابك ؟ فقال : على أي شيء يعمل الذباب عندي ، وما عندي شيء من دنس الدنيا ولا عسل الآخرة ! .
وكان يقول : أيما امرئ مسلم عبر على باب مدرستي خفّف اللّه عنه العذاب يوم القيامة .
وكان رجل يصرخ في قبره ويصيح حتى آذى الناس فأخبروه به ، فقال : إنه رآني مرة ولا بدّ أن يرحمه اللّه تعالى لأجل ذلك ، فمن ذلك الوقت ما سمع له صراخ .
وتوضأ يوما فبال عصفور عليه ، فرفع رأسه إليه وهو طائر فسقط ميتا ، فغسل الثوب ثم باعه وتصدّق بثمنه ، وقال : هذا بهذا .
وكان يقول : يا رب كيف أهدي لك روحي وقد صحّ أن الكل لك ؟ ! .
وكان يتكلّم في ثلاثة عشر علما ، وكانوا يقرؤون عليه دروسا من التفسير ، ودروسا من الحديث ، ودروسا من المذهب ، ودروسا من الخلاف والأصول والنحو .
وكان يقرأ القرآن بالقراءات بعد الظهر ، وكان يفتي على مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل رضي الله عنه ، وكانت فتاواه تعرض على علماء العراق فيتعجبون منها أشد الإعجاب ويقولون : سبحان من أنعم عليه ! .
ورفع له سؤال في رجل حلف بالطلاق أنه لا بدّ أن يعبد اللّه عبادة ينفرد بها دون جميع الناس في