فعليك أيّها الأخ الصديق بالتواضع والانكسار ، وإيّاك ثم إيّاك أن تميل إلى العلو والافتخار .
75 - حبّ العلو على الناس سبب الانتكاس .
إذ حبّ العلو ينشأ عن رؤية النفس ، والرّضا عنها ، وذلك عين البعد والانتكاس .
قال اللّه تعالى :
تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ
[ القصص : 83 ] ، فعلم من الآية أن من أراد العلو ؛ فلا نصيب له في تلك الدار ، فكيف عمن أراد القرب من حضرة العزيز الغفّار .
وقال في الرسالة القشرية : أول منازل القرب ألّا يرى السالك لنفسه قربا ، فهو
هامش
- لكن إذا حصل منه الانكسار والتوبة إلى اللّه والتشمير لخدمة اللّه يكون خيرا له ، والطاعة خير لكن إذا اعتمد عليها ويستصغر من لم يعملها ويطالب العوض عليها يكون شرّا له ، وإليه الإشارة بقوله تعالى :يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ[ الحج : 61 ] أي : المعصية في الطاعة والطاعة في المعصية ، كما قاله الشيخ أبو العباس المرسي رحمه اللّه تعالى ، وقال أبو مدين رضي الله عنه : انكسار العاصي خير من صولة المطيع . فهذا كله من رؤية العمل ، والنية فيه بخلاف ما إذا نسي العمل ولا يرى لنفسه قصد أو نية ؛ لأنه حقا لا يكون فاعلا لما هو طالبه ، بل لما هو مطلوب منه ، ومن هنا قيل : ما توقف مطلب أنت طالبه بربه ، ولا تيسر مطلوب أنت طالبه بنفسك ، وقيل أيضا : ما أدخلك اللّه فيه تولى إعانتك عليه ، وما دخلت فيه بنفسك وكلك إليه ، وإلى هذا إشارة قوله تعالى :وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ[ الإسراء : 80 ] أي : لا بنفسيوَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ[ الإسراء : 80 ] أي : لا بنفسي ، والمقصود ترك النية في الأعمال مع الشهوة ؛ لأن الإرادة والقصد تتعلق بالشيء من حيث الشهوة ومن غيرها .
وقال الشيخ رضي الله عنه في الباب الثامن والعشرين وثلاثمائة : « فالسعداء أخذوا الأعمال بالإرادة والقصد ، وأخذوا بالشهوة ، فمن رزق الشهوة في حال العمل فالتذ بالعمل التذاذه بنتيجته فقد عجل نعيمه له ، ومن رزق الإرادة في حال العمل من غير شهوة فهو صاحب مجاهدة » ، ثم قال : « وأكثر الناس لذة بأعمالهم العباد ، وأقلهم لذة : العارفون » . وانظر : شرح الحكم الأكبرية للباني ( ص 80 ) بتحقيقنا .