62 - الخالي من الشوق مؤخّر ، والآيس فاقد المحبة « 1 » .
الخالي من الشوق مؤخّر ؛ إذ لا يسوق السالك إلى حضرته إلّا كمال الاشتياق ، والآيس فاقد المحبة ؛ إذ لا يوجدها إلّا حسن الرجال ، والتوقّع لملاذ التلاق ، فمن خلا عن الشوق أخذته مطاياه ، ومن آيس من حصول الشوق آثر دنياه على محبّة مولاه .
فأكثر يا أخي التأمّل في نعم مولاك حتى يهزّك الشوق إليه ، فتطرح في محبّة دنياك ، واعلم أن كل نعمة حصلت لك في ظاهرك وباطنك ؛ فمن محض فضله ، وكل نعمة ارتفعت عنك ؛ فمن ألطافه وحسن فعله ، كما قال تعالى :
وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ
[ النحل : 53 ] .
قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه : نحن قوم لا نحب إلّا اللّه .
فقال له شخص : قد قال جدّك : جبلت القلوب على حسب من أحسن إليها .
فقال : نحن قوم لا نرى المحسن إلّا اللّه تعالى ، وهذا هو علامة التوحيد الصحيح ، فمن وجد لم يشهد المحسن إلّا الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد .
وتأمّل يا أخي ما امتنّ به مولاك عليك من النعم في سورة الواقعة ، وما أيقظك به عظيم فضله ؛ لعلّ تلمع في قلبك من أنوار محبّته لامعة ؛ حيث تفضّل عليك بإيجادك من العدم ، ثم تفضّل عليك ثانيا بما تحتاجه من المطعم ، ثم تمّ ذلك ثالثا بما تستر به تتميما للكرم ، وأتبع ذلك بالنعمة التي يتم بها لذّات جميع ما تقدّم .
فإذا علمت ذلك فكيف يبقى لك يا أخي ميل ومحبّة لسواه ، وإذا فهمت ما هنالك ؛ كيف لا تجعل روحك مراعيا لهذا الفضل ، وشيخك في الخدمة وقاية له ، وتتميما لعروجه ومسراه .
هامش
( 1 ) في البيان : ( الخالي من الأنس والشوق فاقد للمحبة ) .