تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الحكم الغوثية — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
أشار رضي الله عنه أنك لا تبلغ مقام الأحرار حتى تخرج عن رقّ الأسر ، وتفارق هذه الدار . والأسر أقسام : أسر نفس ، وأسر شهوة ، وأسر هوى . وأسر النفس هو الأصل ؛ فلذلك قدّمه عليهما ؛ لأنهما المأوى ، ولأنهما قد تفارقا لك ، وهي لازمة لك على سائر حياتك ، فما أشدّ محاورة عدو قد مازج لحمك ودمك ، وما أعسر الخلاص من غريم إن كنت له [ أهلكك ] ، وإن أكرمته ما أكرمك ؛ فلهذا كان الجهاد الأكبر هو جهادها ، والغنيمة العظمى ؛ هو الظفر بها وقطعها وأوتادها ، ويحصل هذا الظفر العظيم ، ويتم هذا الملك الجسيم بجنود لا حول ولا قوة إلّا باللّه ، ويقول : لا إله إلّا اللّه محمد رسول اللّه .
عليك بذكر اللّه تظفر بكل ما * أردت من الأعداء وكلّ غنيمة وحول جيوش الذّكر في كلّ ساعة * وجاهد بحول اللّه وانهض بقوة ترق لك الشّهوات والنّفس والهوى * وتغدو مطيعات بأعظم ذلّة
هذا النصّ العظيم ، وهذا التأييد الذي غناه وملكه مقيم ، فاضرع إلى الحق ، إن يظهر لك حقيقة من حقّه ، وأن يؤيدك في ذلك ظهور سمة فيك من صدقه .

61 - أغنى الأغنياء من أبدى له الحق حقيقة من حقّه ، وأفقر الفقراء من ستر الحق عنه .

أي من أظهر له الحق ، وكشف له الحقيقة من فيض فضله عليه ، وتعرفه بكرمه ، وإحسانه إليه ، وفتح له عن قلبه حجاب الغفلة ، ودخل سرادقات الحضرة ، وتشرّف بالفناء ، وتشرّب لذيذ كأس الهناء ، وحاز مقام المشاهدة والمكالمة ، وصار ممن يفتيه قلبه عن ربه ، وصار ما كان له غيبا شاهده ، وطوى المنازل والمناهل حتى وصل إلى ما وصل إليه القوم ، فذاك أغنى الأغنياء ؛ إذ غناه بغنى مولاه ، وارتفاعه بارتقائه إلى حصن ( لا إله إلّا اللّه ) ، ومن كانت هذه كنوزه وذخائره كيف لا يغنى ، ومن تحصّن بحصن ( لا إله إلّا اللّه ) كيف لا يرتقي وينال الملك المهنّى . ومن ستر عنه الحق ذلك ، ولم يتفضّل عليه بذرّة مما هنالك ؛ فذلك الواقع في