أعظم المهالك ، فلا عذاب عند أهل البصيرة أشدّ من الحجاب ، ولا نعيم عند أهل القلوب أعظم من الحضور ، والشرف بلذيذ الخطاب .
قال أبو يزيد رضي الله عنه « 1 » : رأيت أشدّ ما يعذّبني اللّه ، فلم أر أشدّ من الغفلة .
وقال أيضا : إذا أعطاك حلاوة من ذكره ؛ فما تريد بالجنة ؟ ! .
فأشدّ العذاب : وجود الحجاب .
وأتمّ النعيم : النظر إلى وجهه الكريم .
فاجتهد أيّها الأخ في إصلاح قلبك ؛ حتى يميل إلى هذه المنازل ويشتاق ، واحذر أن تفرّط في ذلك ، فيخلى قلبك مما امتلأت منه قلوب العشّاق .
هامش
( 1 ) اسمه طيفور بن عيسى ، مات سنة إحدى وستين ومائتين .
ومن كلامه : مددت رجلي ليلة في محرابي ، فهتف بي هاتف : من يجالس الملوك ينبغي أن يجالسهم بحسن الأدب .
وسئل عن السّنة والفريضة ، فقال : السّنة : ترك الدنيا بأسرها ، والفريضة : الصحبة مع اللّه سبحانه وتعالى ، وذلك لأن السّنة كلها تدل على ترك الدنيا ، والكتاب كله يدل على صحبة المولى .
وكان يقول : رأيت رب العزة تبارك وتعالى في النوم ، فقلت : يا رب كيف السبيل إلى الوصول إليك ؟ فقال : فارق نفسك وتعال إليّ .
وقيل له : متى يكون الرجل متواضعا ؟ فقال : إذا لم ير لنفسه مقاما ، ولا يرى أن في الخلق من هو شر منه .
ودخل على أبي يزيد عالم بلده وفقيهها يوما ، فقال : يا أبا يزيد أخذت علمك هذا عن من ؟
وممن ؟ ومن أين ؟ فقال له أبو يزيد : علمي هذا من عطاء اللّه ، وعن اللّه ، ومن حيث قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من عمل بما يعلم ورثه علم ما لم يعلم » ، فسكت الفقيه .
وسئل أبو علي الجرجاني عن الألفاظ التي تحكي عن أبي يزيد فقال : يسلم له حاله ؛ فإنه يتكلم على حد غلبة ، أو حال سكر ، ومن أراد أن يرتقي إلى مقام أبي يزيد فليجاهد نفسه كما جاهد أبو يزيد ، فهناك يفهم كلام أبي يزيد رضي الله عنه . وللمزيد انظر : كتابنا في الإمام الجنيد ، وروضة الحبور لابن الأطعاني ( بتحقيقنا ) .