ولذلك قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه : إن أردت ملك الدّارين ؛ فادخل في طريقتنا هذه يوما أو يومين ، فإذا أردت يا أخي الملك المهني ؛ تنال فوق ما تمنّى .
قال رضي الله عنه :
57 - المحبّة : الأنس باللّه ، والشوق إليه .
الأنس باللّه يتحقّق بدوام ذكره ، والإقبال عليه ، والإعراض عمّا سواه ، وتطهير القلب عن الشواغل ، ودوام الخدمة في البكور والآصال .
والشوق إليه يتحقّق بالتهالك في كل هذه المسائل ، وهجران إخوان السوء ، ورفع العوائق حتى لا يكون شعاره ودثاره ، وفكره وورده ، وغذاؤه وشربه ، ومحياه ومماته ، وصلاته ونسكه إلّا في خدمة مولاه ، وبالقرب في غدوه وآصاله :
لو أنّ روحي في كفّي وجدت بها * على اليسير بكم يا من همو أمّة
ما إن وفّيت ببعض من حقوقكم * وصرت من عدم الاتّصاف في محلّ
وما أحسن ما قال هذا العارف :
من ذاق طعم شراب القوم يدريه * ومن داره غدا بالرّوح يشريه
ولو تعوّض أرواحا وجاد بها * في كلّ طرفة عين لا تساويه
وذو الصّبابة لو يسقى على عدد * الأنفاس والكون كأس ليس يرويه
يروى ويظمأ لا ينفكّ شاربه * يصحو ويسكر والمحبوب يسقيه
فيا أيّها المتعطش لهذه المشارب ، ويا من يريد قرب الحبيب ، ونيل هذه المطالب :
58 - شاهد مشاهدته لك ، ولا تشاهد مشاهدتك له .
فإنك إذا ما شاهدت مشاهدته لك ، وعرضت عنايته فيك ، وإنه معك على الدوام ، ناظر إليك بلطفه ، مقبل عليك بفضله ، انتهت همّتك إليه ، وخجلت من إعراضك عنه ، وقلت في نفسك : إذا كان ملك بهذه العظمة والجلال والاستغناء عنك ينظر إليك ، ويقبل عليك ؛ فكيف يسوغ لك أيّها الضعيف الحقير الاشتغال