تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الحكم الغوثية — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
وهؤلاء اليهود كانوا يعرفونه صلى اللّه عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم ، وما أفادهم ذلك شيئا لما لم تحل عليهم العناية ، ولم تشملهم الهداية . والقسم الثاني : المتوسطون ؛ وهم أهل السلوك من القوم ، محفوظون عن الكبائر والصغائر بمحض العناية ، وإن المعصية لهم كبيرها أو صغيرها ، محوها وغسلوها بالاستغفار إلى الغاية ، لا يزالون في قطع المنازل ، ولم يبرحوا واردين كل يوم منهلا من المناهل ، يستبقون بالدلجة في قطع تلك القفار ، ويستبقون مطاياهم في دياجي الأسحار . والقسم الثالث : أهل النهاية ؛ وهم المحفوظون عن الخطرات والغفلات بالرعاية ، إذا صارت قلوبهم ومعاملاتهم قلبية ، وحركاتهم وسكناتهم خفية ، يقطعون في ساعة ما يقطعه غيرهم في الدهور ، والذرّة من أعمالهم تزن الجبال ، خرجوا عن حولهم وقوتهم إلى حول مولاهم وقوته ، وأعرضوا عن السوى فأكرمهم بعامل جنته ، طهّر قلوبهم عن ورود الخواطر والغفلات ، فهم الأحرار قد تحقّقوا بمقام الرّضا ، وانتفى عنهم الإعراض في الحال ، وما سيأتي وما مضى . قال رضي الله عنه :

56 - من أعرض عن الأعراض أدبا فهو الحكيم المتأدّب .

إذ الاعتراض ؛ إنما يكون لكمال شهود التوحيد ، ورؤية اللّه تعالى في كل شيء ، فمن شهد هذا المشهد ؛ فهو الحكيم المتأدّب ، ومن شرب هذا المشرب ؛ فقد روي من صافي الشراب ، واستعذب ، ومن تخلّق بهذه الأخلاق ؛ يشهد الألطاف في الشدائد ، ويستعذب المؤمن الضر لما يرى فيه من الفوائد :
من لم يذق ظلم الحبيب كظلمه * عذبا فقد جهل المحبّة واعتدا
إن أعطى شهد في العطاء مرة ، فإن منع شهد في المنع مرة ، فهو في الحالين ناظر إلى تعرف مولاه ، ومشاهد إقباله عليه ، ومن كانت هذه حاله ؛ استوت عنده السراء والضرّاء ، والمنع والعطاء ، وصار موطنا في كل مكان ، وغنيّا بلا درهم ولا دينار ، وكان بغير جند ولا أعوان .