فاقطع آمالك يا أخي مما سواه ، واستوفي مقام عبوديتك تكن عبد اللّه ، وأعرض عن الأغراض ، وارض بما قسم به المولى ، ولا تجنح بهمّتك إلى الإعراض ، فحينئذ تكون من عباد اللّه الصالحين ، قد أعدّ لك : « ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر » « 1 » .
أخبر بذلك سيد المرسلين ، فهنيئا لمن تجرّع من هذه المدامة جرعة ، ثم بشرى لمن أنصت لهذه الفوائد ، وأحضر قلبه ، وشقّ سمعه ، كما قال اللّه تعالى :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
[ ق : 37 ] .
فأتح مطايا همّتك أيّها الأخ بساحة هذا الشأن ؛ تكن من المحفوظين ، وتحشر في زمرة الأحباب .
قال رضي الله عنه :
55 - المحفوظون على طبقات : محفوظ عن الشرك والكفر بالهداية ، ومحفوظ عن الكبائر والصغائر بالعناية ، ومحفوظ عن الخطرات والغفلات بالرعاية « 2 » .
شرع رضي الله عنه يبيّن مراتب السائرين إلى طريق اللّه ، وإن الكلّ محفوظ بفضل مولاه ، كما قال تعالى :
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ
[ النور : 21 ] .
فالقسم الأول : أهل البداية ؛ وهم المحفوظون عن الشرك والكفر بالهداية ، فلو لم يمن اللّه عليهم بالهداية لما أسلموا .
قال أحد العارفين : لو أن جميع الأدلة العقلية والنقلية تظهر للإنسان لا تفيده شيئا ما لم تحل على قلبه عناية اللّه ، كما قال سبحانه وتعالى :
وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
[ الأنعام : 111 ] .
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 3 / 1185 ) ، ومسلم ( 4 / 2174 ) .
( 2 ) وفي نسخة ب ( العيان ) .